والذي يعنينا من كلامه ما ذكره عن تفرد الشيوخ كحماد بن سلمة وهمام والأوزاعي عن قتادة، ومن المعلوم أن اصطلاح الشيوخ يُقصد به في هذا السياق وما يشبهه من يكون دون الأئمة الحفاظ [24] ، وعلى هذا فمنزلة حماد بن سلمة إذا روى عن ثابت البناني مثلاً تكون أعلى وأقوى من حديثه عن قتادة، وذلك لما عُرف من شدة تثبته وإتقانه فيما يرويه عن ثابت، فالراوي الواحد تتنوع مرتبته باختلاف من يروي عنه وقس على ذلك غيره.
ومما يدل على أن بعض النقاد من المحدثين كان يرد بعض الأحاديث بالتفرد، ما وجدناه في كلام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) عند كلامه على علل الأخبار التي يخرجها في كتابه (تهذيب الآثار) يقول: (وهذا الحديث عندنا صحيح سنده، لا علة فيه توهنه، ولا سبب يضعفه، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح، لأنه خبر لا يعرف له مخرج عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد بنقله عندهم منفرد وجب التثبت فيه ) [25] .
فهو ينقل عن غيره من أهل العلم أن الحديث إذا انفرد به منفرد ولو كان ثقة يجب التثبت في ذلك الخبر، وذلك في عشرات [26] النصوص مما يدل على انتشار هذا الأمر واشتهاره، وإن كان الطبري كما هو ظاهر كلامه لا يرى ذلك سبباً لرد الحديث، ولكنه يورد من المتابعات والشواهد ما يجعل تلك العلة لا محل لها.
وممن نقل التوقف في حديث الصدوق ابن أبي حاتم فقد قال: (يكتب حديثه وينظر فيه) وقد شرحنا معنى كلامه هذا فيما تقدم وأنه لا يعني التوقف مطلقاً.