وذكر الترمذي حديثاً لعمر بن هارون البلخي يرويه عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" [77] ثم قال: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثاً ليس لإسناده أصل أو قال: ينفرد به إلا هذا الحديث... ولا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر) [78] .
فرد تفرد من كان يحسن الرأي فيه ويرى أنه مقارب الحديث، ولا أظن البخاري رد حديثه لمعارضته لأحاديث الأمر بإعفاء اللحى؛ لأن لفظ الإعفاء غير صريح ولا قطعي في الدلالة على منع الأخذ من اللحية، بدليل أن جمعاً من الصحابة كانوا يفعلون ذلك [79] ، كما أن البخاري من عادته أن يظهر المتن المعارض إذا أراد الإعلال وتأكيد الضعف، ولم يفعل ذلك هنا.
والنصوص السابقة تدل على أن تفرد الصدوق بل الثقة أحياناً لا يكون حجة عند البخاري، ولعله توفرت له بعض القرائن التي استدعت النظر في تلك التفردات ولو لم توجد مخالفة صريحة وواضحة.
وعلى أية حال فإن تلك النصوص وغيرها تمنعنا من إطلاق القول بأن البخاري يقبل تفرد الصدوق، ولكن نستطيع أن نقول - نظراً لما ذكر آنفاً من نصوص أخرى - أنه يميل إلى قبول ذلك أكثر من أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي على سبيل المثال.
[1] معجم مقاييس اللغة (3/339) .
[2] فتح المغيث (3/113) .
[3] الجرح والتعديل (2/37) .
[4] المرجع السابق.
[5] المدخل إلى معرفة الصحيحين (ص28) ، ونحوه (ص601) .
[6] الجرح والتعديل (2/66، 137، 144، 158، 161) .
[7] المرجع السابق (2/124) .
[8] المرجع السابق (2/57، 63، 67، 72) .
[9] المرجع السابق (4/62) .
[10] تاريخ ابن معين (3/225) ، (4/263) ، والجرح والتعديل (7/192) ، والنبلاء (9/20) .
[11] الميزان (2/508) .
[12] تهذيب الكمال (5/427) ، وانظر أمثلة أخرى في تاريخ بغداد (13/451) وتهذيب الكمال (2/521) .
[13] تاريخ بغداد (11/146) .