وإذا استحضرنا ما ذكرناه أول هذا المبحث عن عدد الرواة الذين أخرج لهم البخاري في صحيحه وأطلق عليهم ابن حجر وصف"الصدوق"، واستحضرنا أيضاً قول الحاكم المتقدم آنفاً عن كثرة المتون التي ليس لها إلا إسناد واحد في الصحيحين، وقول الحافظ ابن حجر [66] أن في الصحيحين قدر مائتي حديث من الغرائب الأفراد، وقول الحافظ ابن رجب [67] أن تصرف البخاري ومسلم يدل على أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر خلاف مذهب يحيى ابن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وغيرهما؛ فيحتمل أن يكون في صحيح البخاري أحاديث تفرد بها بعض الصدوقين، وإن كان ذلك كما يظهر من"هدي الساري"نادراً جداً [68] وقد حرص الحافظ ابن حجر على إيراد المتابعات والشواهد ليرفع التفرد عن بعض المتكلم فيهم ممن احتج بهم البخاري، سواء في الأصول أو في الشواهد والمتابعات والمعلقات.
والذي يحملني على عدم الجزم بأن ذلك اختيار البخاري رحمه الله، لأنني وقفت على عدة نصوص تدل على أنه لم يقبل بعض تفردات الثقات والصدوقين ولو لم يخالفوا، فمثلاً وجدته لا يقبل حديثاً تفرد به شبابة بن سوَّار وهو ثقة حافظ [69] عن شعبة بن الحجاج مع أنه لم يُخالف، ومع أن المتن محفوظ من طرق أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [70] ، ومع أن علي بن المديني لم يرده وقال: (لا ينكر لرجل سمع من رجل ألفاً وألفين أن يجيء بحديث غريب) [71] .
كما وجدت البخاري رد حديثاً تفرد به حفص بن غياث عن عبيدالله بن عمر العمري وقال: (هذا حديث فيه نظر) [72] . مع أنه احتج بحفص في صحيحه في مواضع عديدة [73] ، كما أن حفصاً لم يُخالف، ولهذا فقد صحح حديثه الترمذي [74] ، وابن حبان [75] ، فلم يقبل البخاري حديثه بسبب التفرد [76] مع كونه ثقة عنده.