أما إذا تأملنا في أحوال من يستدل الشيخ بأفعالهم من سلفنا الصالح - كابن عمر وغيره - فسنلحظ أنهم كانوا يفعلون ما يفعلون، لا طلباً لبركة المحل والمكان؛ وإنما تحرِّياً لأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - رجاء أن يأتوا بها على وجه الموافقة التامة، في هيئتها وصفتها، ومكانها وزمانها، إن قدروا عليه.
فتأمل صنيع سلمة، وتحرِّيه الصلاة حيث كان يتحرَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلِّي، وكذا جابر؛ كان يدعو في المكان الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو، فلا سلمة بالذي اقتصر على الدعاء أو مجرد المكث في ذلك المكان، ولا جابر بالذي حرص على الصلاة أو مجرد المكث في المكان الآخر!
وهذا المعنى أوضح ما يكون في سيرة ابن عمر، الذي كان لشدة تحرِّيه يَتَقَصَّد أن يصلي حيث صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتقدَّم في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وقف فيها، ويقول برأس راحلته بمكة، يثنيها ويقول:"لعل خُفّاً يقع على خُفٍّ"! بل ويبول في المكان الذي بال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قيل فيه - رضي الله عنه - وعن شدة تتبعه لآثار النبي - صلى الله عليه وسلم:"لو رأيت ابن عمر يتَّبع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقلت مجنون"! فهل كان هذا الاتباع منه تبرُّكاً بالبقعة، أم هي المتابعة والموافقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله بالمكان الذي فعل؟