فلم يكن ابن عمر ولا غيره يفعل هذه الثلاث (الصلاة والدعاء والمكث) في كل مكان نزله النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كان لا يفعل فيها إلا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وفرقٌ عظيمٌ بين ما يقول به الشيخ، وما وقع من بعض الصحابة، من تتبع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا بيٍّنٌ بحمد الله، وإلا فهل كان ابن عمر يفعل واحداً من هذه الثلاث في المكان الذي نزله النبي - صلى الله عليه وسلم - ليبول؟! وهل بوله حيث بال النبي - صلى الله عليه وسلم - دالٌّ على تبرُّكه بهذه البقعة؟! بل هذا الصنيع منه مخالفٌ لمطلوب الشيخ؛ إذ حظّ المكان المبارك أن يُحترم ويُكرم، ويُجنَّب مثل هذا الصنيع.
وعليه: فلو أن الشيخ قد قال بجواز موافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله، بأدائها حيث فعل - ولو اتفاقاً - من غير تحرٍّ للمكان؛ لكان له سلفٌ من السلف الصالح، كابن عمر وغيره، مع قولنا بأن هذا الاجتهاد منه - رضي الله عنه - اجتهادٌ مرجوحٌ، وهو على خلاف رأي أبيه - رضي الله عنه - ورأي جماهير الصحابة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله:"وكذلك ابن عمر؛ كان يتحرَّى أن يسير مواضع سير النبي - صلى الله عليه وسلم -وينزل مواضع منزله، ويتوضَّأ في السَّفر حيث رآه يتوضَّأ، ويصبَّ فضلَ مائه على شجرةٍ صبَّ عليها، ونحو ذلك مما استحبَّه طائفةٌ من العلماء، ورأوه مستحبّاً، ولم يستحبّ ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبّه ولم يفعله أكابر الصحابة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل... وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحبّاً لفعلوه، كما كانوا يتحرُّون متابعته والاقتداء به."