فهرس الكتاب

الصفحة 9663 من 19127

يقول المؤرِّخُ الفرنسي جوستاف لوبون:"وكان يمكن أن تُعمِي فتوحُ العرب أبصارَهُم، وأن يقترفوا منَ المظالم ما يقترفه الفاتحون عادةً، ويُسِيئُوا معاملة المغلوبين ويُكرِهُوهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون في نشره في العالم؛ ولكن العرب اجتنبوا ذلك، فقد أدرك الخلفاء السابقون - الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما نَدَرَ وُجُودُهُ في دعاة الديانات الجديدة - أن النُّظُمَ والدياناتِ ليست مما يُفرَض قَسْرًا، فعامَلوا - كما رأينا - أهل سوريا ومصر وإسبانيا وكل قُطْر استولَوْا عليه بلُطْف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ونُظُمَهُم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزيةٍ زهيدةٍ في الغالب، إذا ما قيست بما كانوا يدفعونه سابقًا في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأُمَمَ لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دِينًا سَمْحًا مِثْلَ دينهم" [4] .

ويقول ريتشارد ستيبز: على الرغم من أن الأتراك بوجه عام شعب من أشرس الشعوب .. فقد سمحوا للمسحيين جميعًا؛ للإغريق منهم واللاتين منهم أن يعيشوا محافظين على دينهم، وأن يصرفوا ضمائرهم كيف شاؤوا، بأن منحوهم كنائسهم لأداء شعائرهم المقدسة في القسطنطينية، وفي أماكن أخرى كثيرة جدًّا، على حين أستطيع أن أؤكد بحق - بدليل اثني عشر عامًا قضيتها في إسبانيا - أننا لا نرغم على مشاهدة حفلاتهم البابوية فحَسْبُ؛ بل إننا في خطر على حياتنا وأحفادنا"."

وهذا ما جعل بطريرك إنطاكية واسمه مكاريوس يقول:"أدام الله دولة الترك خالدة إلى الأبد؟ فهم يأخذون ما فرضوه من جزية، ولا شأن لهم بالأديان، سواء إن كان رعاياهم مسيحيين أو يهودًا أو سامرة" [5] .

ونسوق في هذا المقام وثيقة تاريخية تبين كيف كان يعامَل غيرُ المسلمين في الدول الإسلامية، ولو كان من اليهود، وتتمثل هذه الوثيقة من نصِّ الفرمان الظهير، الذي أصدره السلطان محمد بن عبدالله سلطان المغرب في 5 فبراير 4681م وهذا نصها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت