إننا لن نجد - بحال من الأحوال - أديبًا إسلاميًا قيل له اكتب هذه القصة أو القصيدة أو الرواية أو المسرحية وفق منظور إسلامي فيلبي الأمر رغبًا أو رهبًا.. أبدًا.. فإن الإبداع الأدبي الإسلامي لا يخرج عن دائرة الالتزام الحر بالرؤية أو التصور الذي اختاره الأديب طواعية ودونما أي قدر من القسر أو الإكراه.. ووجد نفسه بالتالي منساقًا لأن يقدم منظوره للكون والحياة والإنسان تعبيرًا عما يمور في نفسه وعقله ووجدانه والذي أصبح بمثابة خبزه اليومي حين ينام ويصحو، ويصلي ويصوم، ويكتب ويحاضر، ويتعامل مع الآخرين وهو ينبض بالهم الإسلامي الذي يتدفق في معطياته بعفوية، كما تتدفق المياه الثرة من العيون العذبة في باطن الأرض بدون قسر أو إكراه.
ثمة ما تجب الإشارة إليه، وهو أن الأديب المسلم قد يجد نفسه أحيانًا إزاء بعض الحالات التي ترتطم أو يشك بأنها ترتطم مع الثوابت الإسلامية وحينذاك لابد من استدعاء الفقيه.
والفقيه في الخبرة الإسلامية، لا ينتمي كما قد يخيل إلى بعضهم إلى منظمة دينية قسرية أو"إكليروسية"على الطريقة المسيحية في الغرب.. الفقيه المسلم بما يملكه من عقل مرن حر هو صانع حياة وقائدها ومهندسها، وهو يتعامل مع الحالات المستجدة برؤية سمحة تستمد نبضها من الإسلام نفسه.. وإنه لمن الخطأ أن نسحب مرض وغثيان الغرب العلماني أو النصراني إلى ديارنا ونقول: إن استدعاء الفقيه هو كبت للأديب.
إن التكشف الذي تجاوز حدوده في الأعمال الأدبية باسم الواقعية أمر مرفوض، ولا يتطلب استدعاء الفقيه.. يكفينا ما تعرضه شاشات السينما والتلفزيون والإنترنت من فضائح جنسية، وليس من مهمة الأدب أن يعيد علينا بالكلمة ما تعرضه التقنيات الحديثة من صور فاضحة.. إن مهمة الأدب أن يعيد للإنسانية طهرها الضائع وللسلوك البشري وضاءته.. أن يخرجنا من الآبار الضيقة التي يختنق فيها الإنسان وتتحول فيها الحياة إلى حظيرة للحيوانات ينزو فيها بعضها على بعض.