وإمعاناً في هذه الرؤية تألَّفت الرواية من خمسة وثلاثين فصلاً أو مشهداً أو مقطعاً، كان نصيب التاريخ منها تسعة، تقع بين أحداث الواقع في مزج منظَّم بعناية؛ إذ تجد الإجابةَ عن تساؤل ما -كمجلس المبعوثان أو العروة الوثقى- في الفصل التالي مباشرة، ثم جاء الفصل الأخير مازجاً التاريخَ بالواقع في إطلالة أخيرة للكاتب يختم بها ما بدأه وكرَّره في الرواية من التلازم والتوافق الكبير بين التاريخ والواقع.
كما يُحسب للكاتب من جهة أخرى تلك الروح الإيمانية المتجلِّية في مواضع عدَّة، منها دفاع (نعيم) عن الفضيلة وعدم امتهانها باسم الفن، يقول في جمعٍ من الفنانين والفنانات وعِلية القوم في مصر، حين جمعه معهم احتفالٌ جُلب إليه نعيم دون علمه، يقول:"إذا كان الفنُّ يتعارض مع تعاليم الدين فهو مرفوض".
كما ينص الكاتب على الصلاة والدعاء والروضة الشريفة في المسجد النبوي، واختار (شِفرة) الرسالة التي بعثها الأستاذ لتلميذه من القرآن في إشارة واضحة إلى أن العودة إلى المجد وبناء الحاضر الناجح للأمة لا يكون إلا من خلال الانطلاق مجدداً من القرآن الكريم، كما كان سلف الأمة الناجح الفالح؛ لأن مجداً لا يقوم على دعائم صلبة من تراث الأمة يوشك أن ينهار، وإنما يتهاوى البناء كلَّما ارتفع قليلاً، مع ملاحظة أن هذا المجدَ يعود إلى قاعدة: {إن اللهَ لايغيِّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم} .
ولقد اعتنى الكاتب ببيئة عمله عناية كبيرة، واختارها وَفق منهج واضح المعالم ظاهر العلاقة مع المضمون والأحداث التي أبدعها، فحينما اختار المغرب بيئةً تاريخيةً فهو قد لمح عناية أهل المغرب بالتاريخ وشغفهم به، ثم في مصر حيثُ الخيانة وقربها من فلسطين، وكان عدد من تجارها متواطئين مع العدو اليهودي، أما إستانبول فهي مدار الأحداث التاريخية المعروفة والتي كان لليهود كِبْرَ الفتنة فيها.