وهذه النزعة التاريخية كان لا بدَّ لها من محرِّك يقوم بدفع الأحداث والسَّير بها إلى حيث أُريد لها، لذا استخدم الكاتبُ أستاذَ التاريخ المتمكِّن من مادته ابنَ المغرب الذي لا يقبل الأحداث على علاتها بل يغوص فيها ليبحثَ عن الحلقة المفقودة التي تعينه على فهم الواقع ومعرفة أسراره، يسانده في ذلك تلميذٌ نجيب أحبَّ التاريخ دون أن يتخصص فيه، مما جعل الأستاذ يحرِّكه نحو البحث عن الحقيقة التي جعلت جدَّه (خليل) يعمل في مجلس المبعوثان (أي: البرلمان) سنة واحدة دون أن يعلم أحد من أسرته بذلك، ومن أجل هذا كان انتقاء رجل أعمال شابٍّ إجادة أخرى للكاتب؛ لأنه من جهة كثير الأسفار مما يتيح له البحث في أكثر من جهة، ومن جهة أخرى فهو شاب، ومن طبع الشباب المغامرة والحماسة وركوب المخاطر، كل ذلك أسهم في نسج الصورة التي أرادها الكاتب لروايته وانطلق من أجلها.
ولما كان التاريخ وحدَه ليس غرض الكاتب، بل أراد فهمَ الواقع بمعونة التاريخ، كان لا بدَّ إذن من محرك باحث في الواقع والأحداث اليومية الراهنة، حينها لم يجد أفضل من صحفيٍّ مشاكس لا يريد أن يبتلع إفرازات وكالات الأنباء، بل ينقب عن موضوعاته ويغوص في أعماق لجج الأحداث ليُخرجَ لؤلؤ الحقيقة، فكان هذا متحقِّقاً في شخص (طلعت نجاتي) .
إن التقاء التاريخ في شخص (نعيم) مع الواقع والحاضر في شخص (طلعت) ، والانطلاق معاً في إعادة تشكيل الأحداث ومحاولة وضع النِّقاط على الحروف كما يقال = إن ذلك كله إجادة تُحسَب للكاتب وتسجَّل له وتسير وَفق النظرة التي أرادها الكاتبُ أولَ وهلة (التاريخُ يُعين على فهم الواقع) .