فهرس الكتاب

الصفحة 9468 من 19127

وطلب القائم بأمر الله محمدَ بن الورَّاق ليُعَلِّم أولاده، وكان ضريرًا فلما وصل إلى باب حجرة الخليفة، قال له الخادم: وصلت، فقبِّلِ الأرض، فلم يفعل وقال: السلامُ عليكَ يا أمير المؤمنين، وجلس، فقال القائم: وعليكَ السلام يا أبا الحسن، ادْنُ منِّي، فَدَنَا، فسأله عن مسائل أجاب عنها [137] .

وكان عبدالله بن الخَشَّاب يلعب بالشِّطْرَنْجِ مع العوامِّ على قارعة الطريق، ويقف في الشوارع على حِلَقِ المُشَعْوِذِينَ، واللاعبين بالقرود والدِّبَبَةِ، وكان إذا أراد شراء كتاب غافل الناس، وقطع منه ورقة ليأخذه بثمن بَخْس [138] .

وليس كلُّ ما تَرَكَ النّحاة منَ النحو هو هذا المدون في كتبه أبوابًا وفصولاً، ولكنهم تركوا قَدْرًا صالحًا من المناظرات فيه، تعد دروسًا عالية في المساجلة والتطبيق، وأشهرها مناظرة سيبويه والكِسَائِيِّ؛ فقد جاء سيبويه الكوفة، لا يصحبه أحدٌ من شِيعَتِهِ، ليُناظِرَ الكِسَائِيَّ في وطنه، وبين تلاميذه ومريديه، والْتَأَمَ الجمعُ في مجلس يحيى البَرْمَكِيِّ، فقال الكِسَائِيُّ لسِيبَوَيْهِ: تسألني أو أسألك؟ قال سِيبَوَيْهِ: بل تسألُنِي أنت. قال الكِسَائِيُّ: كيف تقول: قد كنتُ أظنُّ أنَّ العقرب أشدُّ لَسْعَةً من الزُّنْبُورِ، فإذا هو هي، أو هو إيَّاها؟ قال سِيبَوَيْهِ: فإذا هو هي، ولا يجوز: هو إياها، قال الكِسَائِيُّ: يجوز الوجهان، فاحتَكَمُوا إلى مَن بِباب يَحيى منَ العرب: فوافقوا الكِسَائِيَّ [139] ، فاستكان سيبويه، وانصرف مهزومًا.

ويرى كثير منَ النُّحاة أن العَصَبِيَّة تدخلتْ في المناظرة على نحوٍ ما، ولا أُراه بعيدًا؛ فالكِسَائِيُّ وثيق الصلة بكبار الدولة، وهو بعدُ إمامُ نُحاة الكوفة بلا خوف.

وبعدُ: فقد صنع النُّحاة للعربية أعظمَ ما يستطيع البَشَر أن يصنعوا، ويرحم الله أبا العلاء المَعَرِّيَّ إذ يقولُ عن ثلاثة من كُبَرائِهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت