فهرس الكتاب

الصفحة 9467 من 19127

ومنَ النُّحاة مَن كان يَتَقَعَّر في كلامه، كأبي عَلْقَمَةَ النَّحْويِّ؛ فقد رأى عَبْدًا حَبَشِيًّا يضرب الأرض بآخَرَ صَقْلَبِيٍّ، ويُدخِل رُكْبَتَيْهِ في بطنه، فلمَّا أُدْخِل للشهادة قال: رأيت هذا الأَسْحَمَ قد مال على هذا الأَبْقَعِ، فحطَّأَهُ على فَدْفَدٍ، ثم ضَفَطَهُ بِرُضْفَتَيْهِ، فلم يفهم الأمير كلامه وضاق به فحَسَرَ عن رأسه، وقال للصَّقْلَبِيِّ: شُجَّنِي خمسًا، وأَعْفِنِي منَ شهادة [130] .

على أنَّه كان من النحاة ظُرَفَاءُ، منهم سعد بن شَدَّاد، إذ حضر مجلس زياد، وقد ترافع إليه بنو راسب والطفاوة في مولود، فقال سعد: أيها الأمير! يُلْقَى المولود في الماء؛ فإن رسب فهو من راسب، وإن طفا فهو من طفاوة، فأخذ زياد نَعْلَهُ، وقام ضاحكًا [131] . وقال محمد بن موسى الدوالي:

وَقَائِلَةٍ: أَرَاكَ بِغَيْرِ مَالٍ = وَأَنْتَ مُهَذَّبٌ عَلَمٌ إِمَامُ

فَقُلْتُ: لأَنَّ لامًا عَكْسُ مَالٍ = وَمَا دَخَلَتْ عَلَى الأَعْلامِ لاَمُ [132]

وكان النُّحاة في رِزقهم، وأحوال مَعِيشَتِهم، وسِيرَتِهم في الناس كسائر الطوائف؛ فكان الكِسَائِيُّ والفَرَّاء من مُؤَدِّبِي الأُمَراء وأبناءِ الكُبَرَاءِ، وكان ثَعْلَبٌ يَقتضي كلَّ شهر أَلْفَ درهم، يُجرِيها عليه محمد بن عبدالله بن طاهر، وكان مع ذلك حريصًا مُقَتِّرًا [133] .

وكان المُبَرِّدُ يُعلِّم الزَّجَّاج النحوَ، فيعطيه الزجَّاج كل يوم درهًما [134] .

وكان ابن الدَّهَّان من أئمة النحو، وكانتْ له مشاركة في الفقه والأصول، وكان مع ذلك شديدَ الفقر، يجلس في الحَلْقَةِ وعليه ثوب لا يكاد يَستُرُه [135] ، وكان السِّيرَافِيُّ لا يخرج إلى مجلس الحكم، ولا إلى مجلس التدريس في كل يوم إلا بعد أن يَنْسَخَ عَشْرَ وَرَقَاتٍ، يأخذ أَجْرَها عَشْرَةَ دَرَاهِمَ تكون قدر مؤونته [136] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت