فهرس الكتاب

الصفحة 9439 من 19127

لذلك أصبحتِ العربيَّة عَرَبِيَّتَيْنِِ: فصيحة يصطعنها العرب، وأخرى يَشوبها قليل أو كثير منَ اللَّحْنِ والتحريف، يتحدَّث بها المُستعربُون في الحياة العامَّة، على أنَّ اللَّحْن والتحريف كانا يشُوبان لُغةَ العرب أو بعضِهم أيضًا، ولكن بمقدار، وعلى تفاوت واختلاف:

فقد رَووْا أنَّ عمر - رضي الله عنه - جاءه كتاب من عامله على مِيسَانَ، وقد لَحَنَ كاتبه فيه، فكتب عمر إلى العامل: أن قَنِّعْ كاتبك سَوْطًا [2] .

وشيءٌ آخَرُ يُؤَيِّدُ ظهور النحو في البصرة، وهو: أنّ الإمام عَلِيًّا، وعبدالله بن عبَّاس، وأبا الأسود الدؤليَّ - كانوا يقيمون بالبصرة، سَبَقَ إليها أبو الأسود، وجاءها الإمام وابن عباس أيامَ الفتنة الكبرى، ويتنازع الرواة نِسبة وَضْع النحو إلى ثلاثتهم في كثير من الروايات، ومعقولٌ أن يكون وَضْع النحو إبَّانَ هذه الحقبة: إذ كان خِلاطُ العرب والعجم حينئذ أَشَدَّ، واللحنُ في العربية أكثرَ، والحاجةُ إلى النحوِ آكَدَ.

وقد كان عُمرُ - رضي الله عنه - مُلْهَمًا حين كتب إلى أبي موسى الأَشْعَرِيِّ في وِلايته على البصرة أن يَكِلَ إلى أبي الأسود تعليم الإعراب [3] .

واضع النحو:

وردت رواياتٌ شتَّى عن واضع النحو، تتحدَّث عنه من جوانبه المختلفة، تتحدَّث عن سبب وَضْعِهِ، وعن واضعِهِ، وعمّا وُضِع منه أوَّلَ الأمر، فأمَّا سبب وضعِهِ فظُهور اللَّحْن، واستفحال خَطَرِهِ على مَرِّ الأيام.

وكانت العرب تَمْقُت اللَّحْنَ أشدَّ المَقْتِ، وتراه مَنْقَصَةً تُزرِي بصاحِبها، لا في مطلع الإسلام فحَسْبُ؛ ولكن فيما تلاه كذلك إلى أَمَدٍ بعيد، وكانوا لا يَسكُتون عن لَحْنَةٍ تَعْرِض؛ بل لا يُقِرُّون على شَكٍّ منها، لا في قول يقال، ولا في نصٍّ يُرْوَى.

فقد حَدَّثوا أنَّ جارية غَنَّتْ في مجلس الواثق بقول الشاعر [4] :

أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً = أَهْدَى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت