فأنكر عليها بعضُ أهل المجلس أن نَصَبَتْ (رجُلاً) في البيت، بظنِّ أنَّه خبر إنَّ، فالوجه رفعُهُ، والصواب أنَّه مفعول به للمصدر مُصَاب؛ لأنَّه بِمعنى إصابة، وأبَتِ الجاريةُ أن تُغَيِّر الضبط، وقالتْ: إنَّها قَرَأَتْه هكذا على أبي عثمان المازنيِّ، فاستَقْدَمَ الخليفةُ المازنيَّ منَ البصرة، فأَيَّدَ رِوايَةَ النَّصْبِ وشَرَحَ وَجْهَهُ.
وقد وردتْ رواياتٌ كثيرةٌ تعزو وَضْع النحو إلى أبي الأسود، بلا خلاف بينها، إلا في سبب وضعِه والمُضيِّ فيه: أكان إحساسًا بضرورته، أم كان إشارةً من عُمَرَ [5] ، أم من الإمام عليٍّ [6] ، أم من زياد [7] ؟
ويبدو أنَّ الأمر شُبِّهَ على القائلين بإشارة عمر، وإشارة زياد، فحَسِبَ الأولون أنَّ عَهْدَ عمر إلى أبي الأسود في تعليم الإعراب - يعني إشارةً بوضع النحو، وحَسِبَ الآخرون أنَّ نَقْطَ أبي الأسود للمصحف في عهد زياد هو الإشارة بوَضْعِهِ، أمَّا القائلون بإشارة الإمام عليٍّ فلم يُبعِدوا، لأنَّ أبا الأسود كان من أخَصِّ شِيعَتِهِ المقرَّبِينَ؛ فمنَ الطبيعيِّ أن يكون على صلةٍ ما بنحو أبي الأسود، إشارةً به أو إرشادًا فيه.
ويُروى أن واضع النحو هو الإمامُ نفسُهُ، وأن أبا الأسود أخذه عنه [8] ، ولا يتعاظَمُ الإمامَ أن يضع النحو لو أراده، فعبقريَّتُهُ لا خلاف عليها؛ لكنَّ الأعباء التي كان يضطَلِعُ بِها أَثْقَلُ من أن تُتِيحَ له التفكيرَ في ذلك؛ إذ كان - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - مُوَزَّعَ الجُهد والفِكر لتَثْبِيتِ دعائم الدولة، وإقامَةِ أحكام الدين، وتدبير شؤون الرَّعِيَّةِ، وإحباط المكايد.
وفي أخبار أبي الأسود شواهدُ تدل على أنَّه كان - كما توسَّم فيه عُمَر - صاحبَ حِسٍّ لُغَوِيٍّ مُرْهَفٍ، يستطيع به تمييز الأساليب بعضِها من بعض، وإدراكَ ما يكون بينها من أوجُهِ الخلاف والمشابهة، وما يكون لذلك من أثر في المعنى صحة وفسادًا: