وإذا كان بَسْطُ التاريخ أَقْدَرَ على الاستيعاب والتبيين من إيجازه، فإنَّ الإيجازَ أقدَرُ منه على الجمع والتقريب؛ لأنَّه اختيارٌ وانْتِقاء، ولكلِّ مقامٍ مقال؛ كما يقولون، وقدِ جَهِدْتُ ما استطعت ألا أَدَعَ شيئًا مِمَّا بدا لي أنه حقيقٌ بالذِّكْر إلا جِئْتُ به في نطاقِهِ المحدود.
وعسى أن يكون في ذلك بلوغُ غاية، وإدراكُ حاجة، إن شاء الله تعالى.
على النجدي ناصف
أوليَّة النَّحو
النحو نوعانِ: بَصْرِيٌّ، وكُوفِيٌّ، والبَصْرِيُّ أسبق وجودًا من الكُوفِيِّ، وإليه يُرَدُّ وَضْع النحو، ما في ذلك خلاف ولا مِراء، فمن حقِّه علينا أن نبدأ به، والحديث عنه ذو شِقَّيْنِ: الأوَّل عن بيئة النحو، والآخر عن واضعه.
بيئته:
نَشَأَ النحوُ في البَصْرَةِ، وما كان له أن ينشأ في غيرها؛ فهي المدينة التي اشتدَّتْ فيها الحاجة إليه قبل غيرها، إذ لم تكد تُمَصَّرُ، ويتسامع الناس بها وبوَفْرة الخيرات فيها، حتّى انثالتْ إليها أفواج من العرب، وأخرى منَ العجم.
وتوالت الهجرة إليها على تعاقُبٍ وازدياد، حتى بلغتْ عِدَّةُ مُقاتِلَتِها أيامَ كان زياد واليًا عليها - ثمانين أَلْفًا، وبلغت عِدَّةُ عيالهم مائة وعشرين ألفًا [1] ، وكان تمصيرها سنة 14، وولاية زياد سنةَ 45 فكلُّ ما بينهما نحو ثلاثين عامًا.
وعاش أهل البصرة منَ العرب والعجم كما يعيش أهل الوطن الواحد من أصول مختلفة، تجمعهم أواصِرُهُ، وتدعوهم دواعي العيش فيه إلى التفاهُم والمعاملة، ولا يمكن أن يتمَّ تفاهُمٌ، وتتيسر معاملة إلا باللغة، فلم يكن بدٌّ لهذه الأخلاط منَ اصطناع لغةٍ واحدة، إلى جانب لُغاتها المتعدِّدَة؛ فكانت العربية هي هذه اللغة؛ لأنّها لُغة الدولة القائمة، ولسانُها الرسميُّ، وهيهاتَ أن تستطيع الجالِيات الأجنبيةُ إتقانَ الفُصحى والتحدُّثَ بها، كما يُتْقِنُها ويتحدَّثُ بها العرب الخُلَّص.