ومن تأمل واقع المفسدين في هذا العصر سواء كانوا ملاحدة أم وثنيين أم أهل الكتاب أم منافقين فسيجد أنهم قد ساروا على ذات الطريق الذي سار عليه إخوانهم المفسدون قبلهم؛ فهم يتطيرون بدين الله تعالى وبشريعته وبحملتها، وبالدعاة إليها، ويُرْجعون كل مصائب الأمة وتأخرَها واختلافها إلى دين الله تعالى والمتمسكين به، ويدعون الناس إلى نبذ أحكام الله تعالى إن أرادوا عزا وتقدما واجتماعا وازدهارا.
والحقيقة المستمدة من الكتاب والسنة: أن سبب بلاء البشر ومصائبهم هم أهل الفساد والإفساد من الكفار والمنافقين، ومن تبعهم في ضلالهم، وسار سيرتهم، وهم سبب رفع الخيرات، وتنزل العقوبات، وهم سبب هلاك من هلك في الأمم الغابرة، وكل بلاء حلَّ في البشر قديما وحديثا فبشؤم كفرهم بالله تعالى، وحربهم على شريعته، وسعيهم لإفساد البشر، والحيلولة بينهم وبين المصلحين بشتى الطرق والوسائل، واقرءوا كتاب الله تعالى تجدوا أن كل المعذبين قبلنا إنما عذبوا بسبب طاعتهم للمفسدين من أقوامهم، وتنكبهم لما دعتهم إليه رسلهم عليهم السلام؛ ففي قصة شعيب عليه السلام {وَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [الأعراف:90] وقد ذكَّرهم شعيب عليه السلام بسير المعذبين من قبلهم، وحذَّرهم من صدهم الناس عن دين الله تعالى فقال لهم {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} [الأعراف:86] ولكنهم لم يصغوا إليه عليه السلام، وساروا سيرة المفسدين من قبلهم فعذبوا كما عذبوا. وهكذا كل الأمم التي عذبت إنما عذبت بسبب طاعة المفسدين، فكانوا شؤما وبلاء على أقوامهم وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ