اعلموا: أنَّ الحليم إمَّا أن يكون حليمًا مفطورًا على الخير مجبولاً عليه، وهذا كأَشَجِّ عبد القيس، الذي قال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ فيك خَصْلَتْين يحبُّهما الله ورسوله، الحِلْم والأناة ) ). فقال: أشيءٌ تخلَّقْتُ به أم جُبِلْتُ عليه يا رسول الله؟ فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم:"لا؛ بل جُبِلْتَ عليه )) . فقال: الحمد لله، جَبَلَنِي على خَصْلَتَيْن يحبُّهما الله ورسوله؛ رواه مسلمٌ."
وإمَّا أن يكون الحليم ثائرَ النَّفس، أزعجه مَنْ ظَلَمَه؛ فيصبر محتسبًا ويصفح قادرًا، ويأمره إيمانه بالعُرْف والعَفْو عن الجاهلين، وهذا هو المُثاب في الدُّنيا والآخِرة، والمشكور عند الله وعند خَلْقِه، وهو الموصوف بالشدَّة والقوَّة، كما في قول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ليس الشَّديد بالصُّرَعَة، ولكنَّ الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) )؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام فيما رواه أحمد وغيره بسندٍ صحيح: (( مَنْ كَتَمَ غيظًا وهو قادرٌ أن يُنْفِذَه؛ دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره من الحُور العِين، يزوِّجه منها ما شاء ) ).
أيُّها النَّاس:
قلَّة الحِلْم وكَثْرَةُ الغضب آفتان عظيمتان، إذا انتشرتا في مجتمعٍ ما قَوَّضتا بُنيانه، وهدمتا أركانه، وقادتا المجتمع إلى هوَّة سحيقة، ونخرتا كما السُّوس في جسر المجتمع المسلم حتى يؤدِّي به إلى الهلاك والعياذ بالله، ألسنا نرى ضياع المجتمعات الإسلامية واندثار آدابها، وكثرة الخلافات بين دولها وشعوبها، فساعد ذلك على تقطيع الأواصر والرَّوابط، وإشاعة أجواء التَّباغض والتَّدابر والتَّحاسد، وإظهار الشَّماتة على الأمَّة المسلمة من قِبَل أعدائها؛ يقول عليه الصَّلاة والسَّلام: (( إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويعطي على الرِّفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه ) )؛ رواه مسلمٌ.