أيُّها الأخُ المسلم:
إنَّ المسلَك الأمثل في ذلك كلِّه، والذي يدلُّ على العظمة والمروءة دائمًا: هو أن يبلغ المرء غضبه فلا يَفْجُر، وأن يقبض يده فلا يَقْتَصّ، وأن يجعل عَفْوَه عن المُسيء نوعًا من شكر الله الذي أَقْدَرَهُ على أن يأخذ حقَّه إذا شاء، قال الأحنف بن قيس:"احذروا رأيَ الأوغاد". قالوا: وما هم؟ قال:"الذين يرون الصَّفْح والعفو عارًا".
إنَّ كمال العِلْم في الحِلْم، ولين الكلام مِفتاح القلوب، يستطيع المسلم من خلاله أن يعالِج أمراض النُّفوس وهو هادئ النَّفس مطمئن القلب، لا يستفزُّه الغضب، ولا يستثيره الحَمَق، فلو كان الدَّاعي سيِّء الخُلُق، جافيَ النَّفس، قاسيَ القلب - لانفضَّ من حوله الناس، وانصرفوا عنه فحُرموا الهداية بأنوار دينهم، فعاشوا ضُلاَّلاً وماتوا جهَّالاً، وذلك هو الشقاء، وهو سببه وعلَّته.
وتتفاوت درجات النَّاس في الثَّبات أمام المُثيرات، فمنهم مَنْ تستخفُّه التَّوافه فيَسْتَحْمِقُ على عجلٍ، ومنهم مَنْ تستفزُّه الشَّدائد فيبقى على وقعها الأليم، محتفظًا برجاحة فكره، وسَجَاحة خُلُقه. وأمَّا الرَّجل الحليم حقًّا: هو مَنْ إذا حلَّق في آفاق دنيا النَّاس اتَّسع صدره وامتدَّ حِلْمُه، وعذر النَّاس والتمس المبرِّرات لأغلاطهم، فإذا ما عدا غرٌّ يريد تجريحه، نظر إليه من علوٍّ، وفعل ما كان قال الأحنف بن قيس - رحمه الله:"ما آذاني أحدٌ إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاثٍ: إن كان فوقي عَرَفْتُ له فضلَه، وإن كان مثلي تفضلَّتُ عليه، وإن كان دوني أكرمتُ نفسي عنه". انتهى كلامه رحمه الله، وهو المشهور بالحِلْم، وبذلك ساد عشيرته.
عباد الله: