إنَّها جاهليةٌ عالج رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَحْوَها، كانت تقوم على نوعَيْن من الجهالة: جهالة ضدّ العلم وأخرى ضدّ الحِلْم، فأمَّا الأولى: فتقطيع ظلامها يتمُّ بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد، وأمَّا الأخرى: فكفُّ ظُلْمُها يعتمد على كَبْح الهوى ومنع الفساد والجهل الذي كان العرب يفتخرون بأنَّهم يلقونه بجهلٍ أشدّ.
أَلا لا يَجْهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
فجاء الإسلام يكفكف من هذا النزوات، ويقيم أركان المجتمع على الفضل، فإن تعذَّر فالعدل، ولن تتحقَّق هذه الغاية إلا إذا هَيْمَن العقل الرَّاشد على غريزة الجهل والغضب.
أيُّها الإخوة المؤمنون:
كثيرٌ من النَّصائح التي أسداها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - للنَّاس كافَّةً كانت تتَّجه إلى تشجيع الحِلْم علاجًا لغريزة الغضب، ولذلك عدَّ المسلمون مظاهر الطَّيْش والتَّصدِّي، والعنف والأذى، شرودًا من القيود التي ربط بها الإسلام الجماعة المسلمة لئلاَّ تميد ولا تضطرب؛ يقول عليه الصَّلاة والسَّلام: (( سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كُفرٌ ) )؛ رواه البخاريُّ.
إنَّ من النَّاس مَنْ لا يسكت عن الغضب؛ فهو في ثورةٌ دائمةٌ، وتغيُّظٌ يطبع على وجهه العبوس، إذا مسَّه أحدٌ بأذى ارتعش كالمحموم، وأنشأ يرغي يزبد، ويلعن ويطعن، والإسلام بريءٌ من هذه الخِلال الكَدِرَة؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ليس المؤمن بالطَّعان ولا اللعَّان، ولا الفاحش البذيء ) )؛ رواه التِّرمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولقد حرم الإسلام المهاترات وتبادل السِّباب، وكم من معاركَ ضاريةٍ تُبتَذَل فيها الأعراض وتُنتَهك فيها الحُرُمات، وما لهذه الآثام من علَّة إلا تسلُّط الغضب، وضياع الأدب، وأوزارها تعود على المُوقِد الأوَّل لجمرتها، يقول - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( المُسْتبَّان ما قالا، فعلى البادئ منهما، حتى يعتدي المظلوم ) )؛ رواه مسلمٌ.