ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا؛ فهمهم صعود وترق؛ كلما عبروا إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا.
واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق -سبحانه- ليست مما يقطع بالأقدام وإنما يقطع بالقلوب، والشهوات العاجلة قطاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم؛ غير أن عين الموفَّق بصرُ فرس؛ لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، والصدق في الطلب منار؛ أين وجد يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد، فلا حول ولا قوة إلا بالله" [10] ."
وهذا كلامٌ جليل القدر قد حُشِي حكمةً وكمالَ إبصار، فانظر إلى قوله: (فاشتد كرب بواطنهم من وقود نار الحذر) ما أقوى دلالتَه على المراد من سوق كلامه -رحمه الله-، وذلك أن يقظة الفكر كلما صادفت في القلب حياةً وقصدًا، وصدقًا وصفاءً؛ تم نفعُها فارتقت بصاحبها في سماء القرب درجات، وليس أشدَّ على نفس اليقظ من مخالفة مولاه -جل وعلا- وقد بصرته يقظتُه بشدة فقره إلى رفقه وإحسانه، وانظر إلى حالهم -رضي الله عنهم- بعد الانتباه، واتقاء سبيل الشطط، والإقامة على عهد التوحيد بالإخلاص والفرار إلى الله كيف صار إلى الاجتباء والحماية والرحمة والرفق والرعاية.
وقوله: (ومن الناس من يجعل الخالق سبحانه لذلك السبب -الذي هو الفكر والنظر- سببا ظاهرا) قول العارف البصير بدلائل حكمة الله -عز وجل- في هداية خلقه إليه، فإن سبل المواطأة وإحراز ثمرة الفكرة شتى، وهذا من أتمها إعانة على الهداية، وهو تدبر القلب ما تعرضه عليه الحواس من مسموعاتها ومبصراتها أنها بصائر دالة على الخالق، حاملة على طاعته، مخيفة من أخذه عند مبارزته، وهذا من أعظم فوائد التفكر وأطيب ثماره وألذها.