فهرس الكتاب

الصفحة 9309 من 19127

"وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تامًّا بحسب الإمكان، والعمل بموجبه رعاية لحقه؛ فإن العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكر. وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي؛ فطالب المال ما دام جادا في طلبه فهو في كلال وتعب؛ حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب، وقدم من سفر التجارة فطالع ما حصله وأبصره، وصحح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صح له وبردت غنيمته له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه، والله أعلم" [8] .

وقد أفصح عن هذا المعنى الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- أتم إفصاح وأبلغه فقال:

"تفكرت في سبب هداية من يهتدي وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته؛ فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق -عز وجل- لذلك الشخص؛ كما قيل: إذا أرادك لأمر هيأك له."

فتارة تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل؛ فيتلمح الإنسان وجود نفسه فيعلم أن لها صانعا، وقد طالبه بحقه وشكر نعمته وخوف عقاب مخالفته؛ ولا يكون ذلك بسبب ظاهر.

ومن هذا ما جرى لأهل الكهف {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} [الكهف: 14] .

وفي التفسير أن كل واحد منهم ألفى في قلبه يقظة فقال: لا بد لهذا الخلق من خالق؛ فاشتد كرب بواطنهم من وقود نار الحذر، فخرجوا إلى الصحراء، فاجتمعوا عن غير موعد، فكل واحد يسأل الآخر: ما الذي أخرجك... فتصادقوا [9] .

ومن الناس من يجعل الخالقُ -سبحانه وتعالى- لذلك السبب - الذي هو الفكر والنظر - سببًا ظاهرًا؛ إما من موعظة يسمعها أو يراها؛ فيحرك هذا السببُ الظاهر فكرةَ القلب الباطنة.

ثم ينقسم المتيقظون؛ فمنهم من يغلبه هواه، ويقتضيه طبعه ما يشتهي مما قد اعتاده فيعود القهقرى ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه؛ فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه.

ومنهم من يقهر عدوُّه فيسجنه في حبس؛ فلا يبقى للعدو من الحيلة إلا الوسواس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت