فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 19127

ولنتصور كيف سيكون شعورُ الإنسان تجاه أخيه الإنسان في مجتمع لا اعتبار فيه إلا للقوة التي لا ترحم، ولا تراعي أية قيمة سوى القيمة المادية.

إن المسألة هي: هل نختار أن تكون العلاقاتُ الإنسانية قائمةً على الصراع؟ أو على التعاون؟ وأيهما أفيد حتى للإنتاج والتطور؟

أن توقظ في النفوس غريزةَ البقاء التي تنتج الصراعات التي تنمو في جو الجشع والرغبة الجامحة في التملك والاستهلاك؛ بما يعني العدوانية والكراهية والحسد وعدم الثقة.

أو توقظ فيهم غريزةَ النوع الإنساني المفضية إلى الشعور الإنساني العام؟! بما تعنيه من مراعاة الفئات القاصرة والضعيفة في التشريعات والقيم... وليس الأمر كما حاولوا الإيهام؛ أنه قانون الطبيعة الذي لا محيد عنه!! فالأوضاع الاجتماعية والسياسية مشروطة، لا محتومة؛ فهي نتيجة سلسلة من الخيارات التاريخية التي صاغها أبناء البشر؛ لا أنها طبيعة قدرها الله؛ فلا ترد.

وتلك مجتمعاتٌ أخرى، وعلى رأسها الإسلامي، لم تتوحشْ، ولم تستحوذْ عليها القيمةُ المادية والصراع، اللهم إلا تلك المتأخرة التي تأثرت، أو خضعت لاقتصاد الغرب وقوانينه؛ فأصابها بعضُ ما أصاب الغرب، على قدر التأثر والخضوع؛ ففقدت تلك العلاقات الأخوية الصادقة، وابتليت بضعف الثقة أيضا.

وإنه، وإن سُمِعت أصواتٌ فكرية تنادي بمسحة إنسانية أخلاقية في الحياة الاقتصادية الغربية، كصوت دافيد ريكاردو (1772-1823م) الذي رأى أن"أي عمل يعد منافيًا للأخلاق ما لم يصدر عن شعور بالمحبة للآخرين"، إلا أن تلك الأصوات ظلت باهتة في تأثيرها، منزوية في زوايا ثقافية محدودة.

وإذا كان الفكرُ الرأسمالي السائد قد مال نحو إضفاء الشرعية على الأثرة والصراع على المادة، ورأى الحياة الاقتصادية خاضعةً لنظام طبيعي ليس من وضع أحد، إذ يحقق بهذه الصفة نموًا للحياة وتقدمًا تلقائيًا لها؛ فإنه لا شك يعد تمثلا فعليا للدارونية الاجتماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت