لقد ارتفع صوتُ الشكوى والاحتجاج من تلك القيم التي جعلت العالم أكثرَ شقاءً، ابتداء بالحركات الجماهيرية، ومنها المناهضةُ للعولمة حتى رؤساء تلك الدول، أصحاب القرارات العليا، والقائمون على رعاية تلك الأنظمة والقيم، ولعل آخرَها ما حمله خطابُ ساركوزي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من نبرة اعتراف بصعوبة الاستمرار على هذه الوتيرة التي تظلم الغالبية في توزيع الثروة. وقد تكون تلك الأقوال غير بريئة من دولة هي في صميم النظام الرأسمالي العالمي، إنما لها مآرب سياسية، ليس أقلها الظهور بالمظهر الإنساني الذي تفتقده أمريكا بالتأكيد هذه الأيام، ثم السعي نحو إعادة بعض المكانة المفقودة للأمم المتحدة التي تجاوزتها أمريكا، وتركتها جانبًا.
إن الشعور بزعزعة الثقة قد وصل إلى كبارٍ في السياسة والفكر، ووصل إلى الحالة العامة داخليًا وخارجيا.
ولا يُمكِن الباحثَ في السياسات الغربية والطبائع والممارسات السائدة أن يعزل ذلك عن نظريات فكرية راجت، وما تزال تلقي بظلها على الجميع، وإن بِتفاوتٍ، إذ هي البنية العميقة الغالبة.
ومن تلك النظريات العلمية التي لها بُعدُها الاجتماعي نظرية داروِن (النشوء والارتقاء) ، و (البقاء للأقوى) ، وهي تقود إلى قياس الإنسان المفكر على البهائم المدفوعة بالغريزة فقط، والأدهى أنهم يجعلون العقل في خدمة الغريزة، ويصدق عليهم قوله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] .
لقد كانت الدراوِنيةُ الاجتماعية -كما يقول بعضهم- في ذلك الوقت كفَّارةً لضمير الإنسانية المتعب؛ إذ قُدِّمت على أنها قانون الطبيعة الذي لا محيد عنه. كان سبنسر -الفيلسوف البريطاني الذي سبق داروين في مصطلح البقاء للأصلح- يمتلك علاقاتٍ وثيقةً مع كبار الرأسماليين في عصره، الذين تلقفوا أفكاره ورحبوا بها.