وكان الإمام أبو حنيفة بارًّا بوالديه، وكان يدعو لهما ويستغفر لهما، ويتصدَّق كل شهر بعشرين دينار عن والديه، يقول عن نفسه:"ربما ذهبتُ بها إلى مجلس عمر بن ذر، وربما أمرتني أن أذهب إليه؛ وأسأله عن مسألة فآتيه وأذكرها له، وأقول له: إن أمي أمرتني أن أسألك عن كذا وكذا، فيقول: أو مثلك يسألني عن هذا ؟!، فأقول: هي أمرتني، فيقول: كيف هو الجواب حتى أخبرك؟، فأخبره الجواب، ثم يخبرني به، فأتيها وأخبرها بالجواب، وفي مرة استفتتني أمي عن شيء، فأفتيتها فلم تقبله، وقالت: لا أقبل إلا بقول زُرْعَة الواعظ، فجئت بها إلى زرعة وقلت له: إن أمي تستفتيك في كذا وكذا، فقال: أنت أعلم وأفقه، فأفتها. فقلت: أفتيتها بكذا، فقال زرعة: القول ما قال أبو حنيفة. فرضيت وانصرفت".
ذكر علماء التراجم أن ظبيان بن علي كان من أَبَرِّ الناس بأمه، وفي ليلة باتت أمه، وفي صدرها عليه شيء، فقام على رجليه قائمًا حتى أصبحت، يكره أن يوقظها، ويكره أن يقعد.
كان حيوة بن شُرَيْح يقعد في حلقته يُعلِّم الناس، فتقول له أمه:"قم يا حيوة، فألق الشعير للدجاج"، فيترك حلقته، ويذهب لفعل ما أمرته أمه به.
وكان زين العابدين كثير البر بأمه، حتى قيل له:"إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة ؟"، فرد عليهم:"أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها؛ فأكون قد عققتها".
وسئل أبو عمر عن ولده ذر فقيل له:"كيف كانت عِشْرته معك ؟"، فقال:"ما مشى معي قط في ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى سقفا كنتُ تحته".
وقد بلغ من بر الفضل بن يحي بأبيه أنهما كانا في السجن، وكان يحي لا يتوضأ إلا بماء ساخن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فلما نام يحي قام الفضل إلى وعاء وملأه ما، ثم أدناه من المصباح، ولم يزل قائما والوعاء في يده حتى أصبح.