والذي يَظْهَرُ رُجحانُه بجمع الأدلة، وتأمل ألفاظها القول الأول، القاضي بأن العرش خلق قبل القلم؛ لظاهر حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - مع ظاهر حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ففي حديث عبدالله بن عمرو بيَّن أن التقدير كان قبل خلق السموات والأرض، وذكر فيه (( وكان عرشه على الماء ) )، وفي حديث عبادة ما يدل على أن التقدير كان فور خلق القلم؛ لأنه خلق للكتابة، فكان العرش بهذا الاعتبار سابقًا في الخلق على القلم، ويدل على ذلك أيضًا ظاهر حديث عمران بن حصين: (( كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشُه على الماء ) )فلا ذكر للقلم في ذلك، قال ابن القيم معلقًا عليه:"ولا يناقض هذا الحديث (( أول ما خلق الله القلم ) )؛ لوجهين:"
أحدهما: لأن الأولية راجعة إلى كتابته لا إلى خلقه، فإن الحديث: (( أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) ).
والثاني: أن المراد أول ما خلقه الله من هذا العالم بعد خلق العرش، ويدل على سبق خلق العرش قوله في الحديث الثابت: (( قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء ) ). وقد أخبر أنه حين خلق القلم قدر به المقادير كما في اللفظ الآخر قال: (( اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ) ). فهذا التقدير المؤقت قبل خلق العالم بخمسين ألف سنة، فثبت أن العرش سابق على القلم، والعرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض". ا هـ. من"اجتماع الجيوش الإسلامية" (99 ـ100) ."
[5] أخرجه أحمد (4/400) ، وأبو داود في السنة باب في القدر (4693) ، والترمذي في التفسير باب ومن سورة البقرة (2955) وقال: حسن صحيح، وعبد بن حميد في المنتخب من مسنده (845) ، وصححه ابن حبان (6160) ، والحاكم ووافقه الذهبي (2/216) .