وكما ابتلي أبونا آدم - عليه السَّلام - بوساوِسِ الشيطان؛ فإننا لا ننفك عن الابتلاء بها، مع ما يقوم به شياطينُ الإنس من ضغوط ومضايقات لصرفنا عن الحق، ولا معصوم من الزلة والانحراف إلا من عَصَمَهُ الله تعالى. وإذا اعتصم المؤمن بِرَبِّهِ، واستعاذ به من الشيطان الرجيم، وسأل الله - تعالى - الثبات على الحقِّ بقلب موقِنٍ مخلِص؛ فإنَّ الله - تعالى - لا يُخَيِّبُه، وسيكون الثبات والتوفيق حليفًا له.
وإذا ما زلَّ في حال غفلة وجهل، تذكَّرَ زلَّة أبيه آدم - عليه السَّلام - من قبل، وعمل مثل ما عمل، فبادر بالتوبة والاستغفار، وهُرِع إلى الله - تعالى - طالبًا الرحمة والمغفرة، وخاف من الإصرار على الذنب، والاستكبار عن التوبة؛ لئلا يكون مصيره مصيرَ إبليس اللعين.
وقد يستهين العبد بذنب استصغره؛ فأصر عليه؛ فأورده المهالك، وختم له بالسوء على أثره، وما أُهبط آدم من الجنة إلا بسبب معصيةٍ واحدةٍ كان في غنًى عنها، وكانت هذه المعصية سببًا لابتلائه وابتلاء ذريته من بعده على وَفْق حكمةٍ أرادها الله تعالى، قال إبراهيم ابن أدهم - رحمه الله تعالى:"لقد أورثتنا تلك الأكلةُ حزنًا طويلاً" [9] .
إن قصة بداية الخلق لتدل على قدرة الخالق وعظمته، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة دون ما سواه. فهذه الأحياء المتكاثرة على الأرض، في البر والبحر والجو، وهذا العمران العريض في الأرض، وما في السماء من عجائب الأفلاك والأنجم؛ كل ذلك مضى عليه أزمانٌ لم يكن موجودًا، فأوجد الخالق - سبحانه - كل ذلك، ودبره أحسن تدبير، وسيره في نظام دقيق عجيب، وجعل له أجلاً ونهاية.