ولما كانت هذه النعم مُشْتَهاةً عِنْدَ آدَمَ وزَوْجِه - عليهما السلام - ويجدان فيها من اللَّذَّة ما كَمُلَ به نعيمهما؛ فإنهما خشِيا من زَوالِها، وتلك الشَّهْوَةُ كانت هي نقطةَ الضعف، التي تسلَّل الشيطان من خلالها إلى قلبيهما {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 120-121] .
إنه وزوجه قد زلاَّ الزلة التي نهاهما عنها ربهما، ولكن من رحمة الله - تعالى - بآدم وحواء وذريتهما من بعدهما، أنهما لم يُصِّرَا على الخطيئة كما فعل إبليس، ولم يجادلا كما جادل؛ بل بادرا بالتوبة والاستغفار فَوْرَ سؤال الرب - تعالى - لهما {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف: 22-23] . فقَبِلَ أَرْحَمَ الراحمين توبتهما، وعفا عنهما، وأهبطهما إلى الأرض كما أهبط إبليس، وجعل الأرض مقرًّا للبلاء والامتحان مدَّةً من الزمان معدودةً هي الحياة الدنيا، {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف: 24] . وجرى قلم التكليف على ذرية آدم من بعده، وظل إبليس ينفذ وعده، ولا يزال يفعل، وسيظل إلى ما شاء الله تعالى.