لنتأمل في قول سيدنا نوح لعتاة قومه: {يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] ؛ فهو قد أبلغهم التهديد الشديد، في بيان بديع وخلق رفيع، فخوفهم وأرعبهم بالجزم أنهم لو اجتمعوا على أكثر ما يقدرون، ثم جاؤوه وهو في نوم عميق أو غفلة تامة عما يمكرون، ما استطاعوا لغلبته سبيلا! بل زاد وكشف لهم السلاح: إتقان توكله على الله واعتصامه بحيل الله. فما أخالهم إلا وقد أضحوا منه في رعب يترقبون، وفي مكرهم به يترددون.
ومن ثَمَّ؛ فمتى كمل في قلوبنا الإيمان، واستقام عندنا الميزان، وانسجم لدينا الفعل واللسان، صلح فينا المجتمع والسلطان، وولى الباطل مدبرًا ولم يعقب حتى ينسينا عن العناية بالحق الشيطان.
فليس عبثا أن ينهانا الله ويعيب علينا أن نقول ما لا نفعل، قبل أن ينبهنا على أن أحبنا إليه من يقاتل صفا في سبيله كأنهم بنيان مرصوص. يقول عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] ؛ فميزان انضباط القول مع العمل هو الضابط لحسن الصف وإقامة البنيان المرصوص، والفيصل في ما يعطى لجانب الأمر بالمعروف وما يخصص للنهي عن المنكر.