فلو أن شارعًا من شوارع المدينة به مائة مصباح موزعة بين اليمين والشمال، معطل جلها لغياب الصيانة وعدم العناية إلا مصباحان أو ثلاثة، وجاء المكلفون بالإصلاح يهوّلون من فعل الظلمة، ويكثرون من تهويل أمرها وتعظيم اشتدادها وانتشارها، والناس يرددون معهم يا هولنا قد قوي الظلام، ويا ويلتنا كم اشتدت العتمة، ... ألا يكون هذا من قبيل سخرية بعضهم من بعض؟ هل الشرعة المثلى والمنهج السليم في إصلاح المصابيح أو في سب الظلام ووصف قبحه وتهويل مفعوله؟
فكذلك ما نحن فيه من واقع محزن، إذ الكثير منا يردد أنه قد استفحل المنكر، دون أن يدرك -إلى جنب تلك الحقيقة المرة- أن الذي استفحل واشتد حتى أضحى مرضًا مزمنًا هو ضعف انتشار واستقرار المعروف وتقاعس أصوات الحق. فكثير منا يردد أن واقعنا وعصرنا قد عمت به البلوى، وكثرت فيه أصوات الشيطان والهوى، وعمّ فيه المنكر أرجاء المعمور كافة، ناسيًا أو متناسيًا أن الذي ضعف حضورُه وطال غيابُ صولته هو صوت الحق وإقدام رجال الحق. فنحن لا نقبل عذرًا ممن يصرخ حين الظلمة أن لا سبيل للنور في وجه تفاقم الظلام، ولكن نسأل معه: لم انعدمت مشكاة النور ومصابيح الضياء؟؟؟ مستحضرين علمنا الفطري بأن غياب النور هو عين الظلمة.
وأصل الداء أن فئات واسعة من الناس ترى في القيام بأعباء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجرد فرض كفاية، وما دامت هنالك أجهزة للشؤون الدينية وأخرى للشؤون الاجتماعية والإدارية والقضائية والأمنية مفروض فيها القيام بتلك الأعباء، فلا مسؤولية عليهم. وهذا قول لا يبرئنا أمام الله عز وجل؛ لأن بقاء الحق والعناية بأهله وأصواته واجب يجب أن يجنّد له الجميع، كل حسب مسؤولياته. فكون المسؤوليات متعددة لا يعني انتفاءها عن أهلها أو تخلي البعض عن واجباتهم التي يرونها صغرى أو غير ذات جدوى بدعوى عظم وجسامة مسؤوليات آخرين فوقهم في السلطة وتدبير الشان العام.