فهرس الكتاب

الصفحة 9049 من 19127

والمراد بالحق في الآية الوحي المعصوم كتابًا وسنة، وما يدعو إليه من عبادات وأخلاق ومعاملات، وتقوى والتزام ونهج للصراط المستقيم، وما يعرضه من بيان وما يرسيه من أركان، وما يقدمه من حجج، وما يجليه عبر وحيه وسننه من دلائل وبراهين.

والباطل الشيطان، وما مكّنه الله -عز وجل- من سبل تزيين ووسوسة وتخويف وتضليل، وما يدلي به هو وقبيله من شبه، وما يقومون به من مكر، وما يأمرون به من منكر، وما يفترونه على الله وعلى أهل الحق من الكذب والبهتان.

والآية تشير بوضوح إلى أننا لسنا ملزمين باللَّحاق بالباطل حتى نمسك به كليا، ولا أن نستغرق الجهدَ ملاحقةً له منشغلين به دون غيره، بل تدعونا أن نسعى بما استطعنا وما استجمعنا من قوة أن نقذف بالحق باسم الله وبعونه على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وزهوقه لا يعني القضاء النهائي عليه، وإنما المتحقق استحالة رجوعه ما دام للحق الدامغ وجود.

هذه السنة -التي لن نجد لها تبديلا ولا تحويلا- تفرض علينا صرف العناية أساسًا لتوطيد وتقوية الحق، ونصرة أهل الحق، والاستثمار العلمي والعملي في دوام حضور الحق، ذلك أن ضعفه مؤذن بعودة الباطل. فالثبات على الحق والدفاع عنه واستمرارية وجوده هو الأساس، أما أن نفرط في شروط بقاء الحق سائدًا، وننشغل بكيفية احتلال الباطل للمواقع بغياب الحق، فذلك جانب من الغفلة والجهل بالسنن غير هين.

فالنهي عن المنكر لا يقتضي صب العناية جهةَ المنكر استغراقًا للجهد في وصفه، ولا تقعيد النفس بالتهويل من فعله. أكيدٌ أن النهي عن المنكر هو في حد ذاته حق ومعروف، وفعلنا يلزم أن يتجلى دائمًا في دائرة الحق والمعروف، لكن من حسن المعروف وترسيخ المعروف أن ينصب اهتمامُنا جهةَ سيادة الحق وتوسيع دائرة المعروف، بالحفاظ على شروط بقاء المنجز من أركان قيام تلك السيادة وسعة تلك الدائرة، والبحث عن الاستجابة لشروط بقائها ونمو أثرها في سلوك الفرد والجماعة ومؤسسات المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت