وقالت الخامسة -وهي كبشة بنت الأرقم-: (زوجي مَالِك، وَمَا مَالِك؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِن ذَلك، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِك، قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِك)
والمِزْهَر: آلة من آلات اللهو.
وقولها (وما مالك؟) استفهام للتعظيم والتعجب، وتكرير الاسم أَدْخَلُ في باب التعظيم، وقولها (مالك خير من مالك) زيادة في إعظام زوجها، وأنه خير مما أشارت إليه من ثناء، وفوق ما يعتقد فيه من السؤدد، و فضله أجل من أن يوصف.
فهذه وصفت زوجها بأنه كريم، فإبله قليلات المسارح؛ فلا يوجِّه منهن إلى المسارح إلا قليلا ويستبقي سائرهن بفنائه استعدادًا للضيفان، فهي في الأصل إبل كثيرات، ثم إذا سرحت صارت قليلة لأجل ما ذهب منها.
فعادته بنحر الإبل للضيفان كثيرة حتى صارت إذا سمعت صوت الغناء فرحًا بهم عرفت أنها منحورة لا محالة.
وقالت السادسة -وهي أم زرع-: (زوجي أبو زَرْع، فَمَا أَبُو زَرْع، أَنَاسَ مِنْ حُلِيِّ أُذُنَيَّ وَفَرْعَيَّ، وَمَلأَ مِن شَحْمِ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، فعنده أَقُولُ فَلاَ أُقَبَّح، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّح، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّح..)
وقولها (أَنَاسَ) معناه: أثقل، أي أثقل أذنيها بالحلي حتى تدلى واضطرب.
وقولها (وَفَرْعَيَّ) معناه: مِعْصَمَيَّ.
وقولها (وَمَلأَ مِن شَحْمِ عَضُدَيَّ) المراد به الجسد كله؛ لأن العضد إذا سمنت سمن سائرُ الجسد، وخصت العضد لأنها أقرب ما يلي بصر الإنسان من جسده.
وقولها (وَبَجَّحَنٍي) معناه: وسَّع عليَّ وترَّفني فعظمت عندي نفسي.
وقولها (فَأَتَصَبَّحُ) معناه: أنام الصُّبْحَة، وهي نوم أول النهار، فلا أوقظ، إشارة إلى أن لها من يكفيها مؤنة بيتها ومهنة أهلها.
وقولها (فَأَتَقَنَّحُ) معناه: أنها تشرب على مهل لكثرة اللبن، لأنها آمنة من قلته فلا تبادر إليه مخافة نفاده.