فهرس الكتاب

الصفحة 9042 من 19127

وأحسب أن الدكتورة مارشال لو اطلعت على تصنيفهن وحسن أدائهن، وما عرفن به من إنشاء النوادي الثقافية النافعة، وترتيب اللقاءات الاجتماعية الهامة، وتنظيم جلسات التكافل النفسي والمواساة والرعاية لحقوق بعضهن تضامنًا وتناصرًا، وتعاهدهن على ميثاق شرف محلي أشبه بمواثيق حقوق النساء المحلية والدولية المعاصرة.. لعلا لديها شأنُ بدويات منسيات؛ قد ضرب ذكرُهن في غياهب عهد منبوذ.

فلله ما أعظمَ جنايتَنا على أصول ثقافتنا، فقد صرنا لقلة عنايتنا بنفائسها، وانبهارنا بثقافة غيرنا كأننا لا تراثَ لنا ولا حضارة، فانظر إلى ما اجتمع عليه هؤلاء النسوةُ (الجاهلياتُ) في ذلك العهد (البالي) من الشؤون المعالي، وما اشتمل عليه كلامُهن من البلاغة والجزالة والإيجاز والإبداع مع وفرة المعاني الكبيرة، وجلال المقاصد والمرامي العجيبة المثيرة:

قالت الأولى -وهي مهدد بنت أبي هزومة- (اللَّيْلُ لَيْلُ تِهَامَة، وَالْغَيْثُ غَيْثُ غَمَامَة، وَلاَ حَرَّ وَلاَ خَامَة، وَلاَ مَخَافَةَ وَلاَ سَآمَة) .

فهذه تصف حال زوجها بأربع خصال حميدة:

-أنه جميلُ العشرة، معتدلُ الحال، سليم الباطن، فهي تلذّ العيش عنده كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل، لا يؤذيها، ولا يمل من عشرتها، ولا تمل من عشرته.

-أنه لين الجانب، خفيف الوطأة على الصاحب، لذلك قالت (ولا خامة) ؛ أي لا تستثقله، ولا تشكوه.

-أنه كريم جواد، فشبهت جوده بغيث الغمامة.

-أنه حامي الذمار، مانع للدار والجار؛ لا مخافة عند من يأوي إليه، كأهل تهامة المتحصنين بجبالها.

وإنما ضربَت المثلَ بليل تهامة في الطيب لأنها بلاد حارة في غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل سكن وهجُ الحر، فيطيب الليلُ لأهلها بالنظر إلى ما كانوا فيه من أذى حر النهار.

وقالت الثانية -وهي كبشة-: (زوجي إِذَا دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) .

فهذه تصف زوجها بصفات حميدة ثلاث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت