وجاء عصر (العلمانية) ، وتداخلت أجزاء العالم بعضها ببعض، واحتك الناس بالمسلمين، فوقعت أوربا فيما أرادت ألا تقع فيه، وهُدرت دماؤها التي سالت في مواجهة الإسلام، وضاعت جهودُها في محاولة طمس أنواره، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الإعجاب بهذا الدين، ولم تتمكن من مقاومة تأثيره، فانبعث الإسلام في أوربا من جديد، ليس من جنوبها كما في المرة الأولى، وليس من شرقها كما في المرة الثانية، بل ولد الإسلام هذه المرة في عقر دارها، وترعرع في دروبها، وتشربته أفئدةُ أبنائها، وبدأ هذا الدين -الذي طردته أوربا شر طردة، وقتلت أبناءه شر تقتيل- ينتشر بين أرجائها كالنار في الهشيم، وكضوء النهار في الليل البهيم، بسرعة لم تعرفها أوربا من قبل، حتى أصبح الدينَ الأول في الانتشار على الصعيد العالمي، بل أسلم في فرنسا وحدها سنة 2004م ما يزيد عن 50 ألف شخص، ومن الطريف أن منتخبهم الذي يحمل علمَهم في كرة القدم به سبعة مسلمين {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] .
وقد كان من عجيب صنع الله لهذا الدين، أن كانت الجاليةُ العربية التي استقدمتها أوربا بغرض احتقارها في مهن وأعمال مرهقة، هي الطلائع الأولى لهذا الفتح الإسلامي الجديد، الذي غزاهم بما ليس لهم به طاقة، وهاجمهم بما لا قبل لهم به، لتتكرر قصةُ الحق حين يواجه الباطل، والنور حين يواجه الظلام، فاستسلمت أوربا لهذا الغزو الذي لم تشعر به، ولم تنتبه إلا وبها ما يزيد عن اثني عشر مليون مسلم، وأصبح في باريس وحدها 97 مسجدًا، وأصبحت الشرطة الفرنسية هي من يقوم على تنظيم الطرق التي تغلق بسبب المصلين، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] .