كان يتمنى - أكبر الأمنية في حياته - أن يتقدم الصفوف مجاهدًا في سبيل الله، نظر إلى قدميه وقت الوفاة وبكى، وقال: يا ليتها جاهدت في سبيل الله. لكن والله جاهد جهادًا من أعظم الجهاد، بذل علمه، بذل جاهه، بذل ماله، بذل نفسه، بذل كل ما يملك في رفع راية لا إله إلا الله، فكان إمام الدنيا بحق. قال يحيى بن معين: والله ما رأيت أحدًا كأحمد بن حنبل، والله ما أستطيع أن أكون مثله ثلاثة أيام. وقال علي بن المديني: لو كان الإمام أحمد في بني إسرائيل كان نبيًا من الأنبياء. وقال الإمام الشافعي - رحمه الله - خرجتُ من بغداد وسكانها ألفا ألفٍ - يعني مليونين اثنين - فوالله ما خلّفتُ رجلاً أتقى لله وأعلم بالله وأزهد لله وأورع أن تنتهك محارم الله، ولا أحب إليَّ من أحمد بن حنبل.
رحم الله الإمام أحمد وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا في زمرته يوم يوفَّى الصادقون بصدقهم، يوم يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
وللحديث بقية إن شاء الله.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله .. الحمد لله ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
* أما بعد:
فيقول سبحانه وتعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3] .
ويقول عز من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .