فهرس الكتاب

الصفحة 8748 من 19127

متى كان هؤلاء الفئران أساتذة لنا؟ متى كانوا معلمين؟ إنهم أحقر الناس، إنهم أخبث الناس، إنهم أضل الناس، إنما يُتَعلّم من وحي السماء الذي تربَّى عليه محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من أنبياء الله - عز وجل.

يقول الإمام أحمد: رحم الله أم صالح - يعني زوجته وقد توفيت - صاحبتني ثلاثين سنة، والله ما اختلفت أنا وإيَّاها في كلمة واحدة .. زوجته في بيته، صاحبته ثلاثين سنة، ما اختلف معها في كلمة واحدة. أتاه رجل من أتباع السلطان المعتصم، فَسَبَّ الإمام أحمد أمام الناس وشتمه وانتقصه أمام الجماهير، فقال الناس: يا أبا عبدالله، يا أحمد، رُدَّ على هذا السفيه، قال: لا والله، فأين القرآن إذن؟! يقول الله - عز وجل: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان: 63] ، هذا هو اتباع القرآن، هذا هو العمل الحقيقي بكتاب الله - تبارك وتعالى .

كان يجلس الناس إليه - رضي الله عنه وأرضاه - فيتعلمون منه، وينظر إليهم، قال ابنه عبدالله: دخلتُ على أبي وهو جالس في البيت متربع مستقبِل القبلة، ودموعه تنهمر على خديه، فقلت: يا أبتاه، ما لك؟ قال: تذكرت في هذه الغرفة موقفي في القبر وحدي لا أنيس إلا الله، قال: فأراك متربعًا، لماذا لا تتكئ وتريح نفسك - لأنه شيخ كبير - قال: أستحيي أن أجالس الله وأنا متكئ.

دخل عليه الأديب الكبير ثعلب، فقال له الإمام أحمد: ماذا تحفظ من الأدب والشعر؟ قال: أحفظ بيتين، قال: ما هما؟ قال: قول الأول:

إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يومًا فلا تَقُلْ خَلَوْتُ ولكن قُلْ عليَّ رقيبُ

ولا تحسبَنَّ الله يغفُل ساعةً ولا أن ما تُخْفي عليه يغيبُ

فوضع الإمام أحمد الكتاب من يده، وقام وأغلق على نفسه بابًا، وبقي في الغرفة، قال تلاميذه: والله قد سمعنا بكاءه من وراء الباب وهو يردد البيتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت