فذهب = رضي الله عنه وأرضاه - قال: مضيتُ من بغداد إلى مكة، فضِعْتُ في الطريق ثلاث مرات، فكنت كلما ضِعتُ استغفرت الله ودعوته، وقلت: يا دليل الحائرين دلّني، قال: فوالله ما أنتهي من كلامي إلا ويدلني دليلُ الحائرين على الطريق!!
من هو دليل الحائرين؟ إنه الله، من هو ملجأ الخائفين؟ إنه الله، من هو مناص العارفين؟ إنه الله، فكان كلما ضاع في الصحراء التجأ إلى الله، ما عنده علامات ولا خرائط، ما هناك مواصلات ما هناك نقل ولا خطوط، صحراء يبيد فيها كل شيء، ويضيع فيها الذكي قبل البليد، فضاع الإمام أحمد؛ ولكن الله لم يضيعه، هداه إلى الطريق؛ لأنه توجه إليه بالدعاء والتضرع، احفظ الله يحفظك، فلما حفظ الله، حفظه الله في سمعه وجوارحه ودينه ومستقبله وسمعته إلى يوم القيامة، وحفظ الله اسمه للملايين، عند مسلمي الصين واليابان والملايو والعراق والجزيرة ومصر وسوريا والجزائر ومسلمي أمريكا، كلهم يسمعون بأحمد بن حنبل؛ لأنه حفظ الله، ثم وصل إلى مكة، فأخذ حديث مكة، وبعدها سافر إلى اليمن، إلى صنعاء اليمن إلى عبدالرزاق بن همام الصنعاني يطلب الحديث، وبينما هو في طريقه، ضاع مرة رابعة، قال: وانتهت نفقتي من الخبز، أما الدراهم فما كان عندي دراهم، فماذا فعل؟ قال: نزلت إلى قوم أهل مزارع يحصدون ويصرمون، فأجَّرت منهم نفسي ثلاثة أيام، يا سبحان الله! إمام الأئمة، الذي يحفظ ألف ألف حديث، كما يقول الذهبي وابن كثير، يحفظ مليون حديث؛ بل ما حفظ من الأمة أبدًا أحدٌ كما حفظ ابن حنبل يؤجر نفسه من الحصَّادين، فيحصدُ معهم، ووصل بحفظ الله إلى صنعاء، وأخذ الأحاديث النبوية، وكتبها، كان يسهر الليل حتى الفجر، ويصوم النهار حتى الغروب. قال ابنه عبد الله: كان أبي يصلي من غير الفرائض في اليوم والليلة ثلاثمئة ركعة!! انظروا تذكرة الحُفَّاظ للذهبي، وسِيَر أعلام النبلاء له أيضًا، والبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ بغداد للخطيب، وتاريخ دمشق