فهرس الكتاب

الصفحة 8743 من 19127

قال أحمد - رحمه الله: كانت أمي تلبسني اللباس، وتوقظني، وتحمي لي الماء قبل صلاة الفجر، وأنا ابن عشر سنوات، وكانت تختمر وتتغطى بحجابها وتذهب معه إلى المسجد؛ لأن المسجد بعيد؛ ولأن الطريق مظلمة. فانظر إلى هذه المرأة الصالحة، وما تبذله من جهد وتعب حتى يصبح ولدها من عباد الله الصالحين وليس ممن استهوته الشياطين في الأرض حيران.

عاش الإمام أحمد في هذا الجو الطاهر، وفي هذه الأجواء النقية، في بيت كلُّ همِه أن يعبد الله - عز وجل - وأن يكون هذا الغلام عبدًا خالصًا لله، قال: فلما بلغتُ السادسة عشرة من عمري، قالت لي أمي: اذهب في طلب الحديث، سافر فإن السفر في طلب الحديث هجرة إلى الله الواحد الأحد. قال: فأعطتني متاعَ السفر، أتدرون ماذا أعطته من الزاد؟ كم أعطته من الألوفِ؟ كم أعطته من الدراهم والدنانير؟ ما كانت تملك شيئًا .. صنعت له ما يقارب عشرة من أرغفة الشعير، عشرة من الأقراص اليابسة، ووضعتها في جراب من قماش وأعطتها إياه، ووضعت معه صُرَّة ملح وقالت: يا بني إن الله إذا استودع شيئًا لا يضيعه أبدًا، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، فذهب من عندها من بغداد، من عاصمة الدنيا، من دار السلام، لماذا ذهب؟ أذهب للسياحة كما يفعل اللاهون اللاغون؟ أم ذهب إلى تسلية الأوقات والتزحلق على الثلج في عواصم بلاد العهر والفجور؟ لا إنما ذهب يبحث عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوب الدنيا من أجل ميراث محمد عليه الصلاة والسلام، ذهب إلى جناب المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى مكة والمدينة:

مَنْ زَارَ بابَكَ لم تبرَحْ جَوَارِحُهُ تروي أحاديثَ ما أوْلَيْتَ من مِنَنِ

فالعينُ عن مُرَّةٍ والكفُّ عن صِلَةٍ والقلبُ عن جابر والسَّمعُ عن حسنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت