وهكذا كانت تتعدد مجالس النساء في الجاهلية وعصور ما قبل الإسلام، ومنها هذا المجلس الذي شاركت فيه إحدى عشرة امرأة، وروته السيدة عائشة، وهي تتحدث مع النبي -صلى الله عليه وسلم- والحديث يبين الأساليب المختلفة للرجال في سياسة النساء ومعاشرتهن، ولا شك أن الإسلام يدعو الرجل إلى مباسطة زوجته ومسامرتها ولين الجانب لها، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك مع زوجاته، وكان يسابق السيدة عائشة وتسابقه، فتغلبه مرة ويغلبها أخري، ويقول لها: هذه بتلك، وهو -صلى الله عليه وسلم- القائل:"كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا تأديبه فرسه ورميه عن قوسه وملاعبته أهله"، وقيل لرجل من الأعراب كان يجمع الضرائر: كيف تقدر على جمعهن؟ قال: كان لنا شباب يصبّرهن علينا، ثم كان لنا مال يصبّرهن لنا، ثم بقي لنا خلق حسن، فنحن نتعاشر به ونتعايش.
وإذا وقفنا عند كل امرأة ممن تحدثن في حديث"أم زرع"لنرى كيف تصف زوجها، نجد الأولى غير راضية عن زوجها لسوء خلقه وغلظة طباعه، فهي تشبهه بلحم الجمل الغث الذي تعافه النفس، وتشبه سوء خلقه بالجبل الوعر، وليته كان مع غثاثته متاحا سهل المرتقى، بل هو على رأس جبل صعب المطلع، ولذلك فهي تفقد الأمل في زوجها لعيوبه الظاهرة والباطنة وسوء عشرته لها، فهو شديد البخل سيء الخلق ميئوس منه.
أما المرأة الثانية، فلا يختلف زوجها عن زوج المرأة الأولي، فتقول: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره، أي أنها -لسوء معشره وكثرة مثالبه- تخاف أن تطيل في حديثها عنه وعن صفاته القبيحة ولا تترك من خبره شيئا، وهي تكتفي بالإشارة إلى معايبه، فتقول: إن أذكره أذكر عجره وبجره، والعجر هو تعقد العروق والعصب في الجسد، والبجر كالعجر إلا أنه مختص بالبطن، وهي بذلك أرادت ذكر عيوبه الظاهرة والباطنة، وأن زوجها كثير المعايب معقد النفس عن المكارم.