وقفت ساكنة وكل تركيزي منصب على حركة إصبعها، وفجأة شعرت بحالة وعي ضبابية لشيء كان منسياً، بالإثارة المصاحبة لفكرة عائدة، وهكذا تكشف أمامي غموض اللغة، وكم كانت فرحة هيلين عظيمة وقد انفتح لها باب العالم الخارجي الذي كان موصداً دونها، ولم تعد إلى البيت إلا بعد أن سألت عن اسم كل شيء مرت به، منذ تلك اللحظة بدأت هيلين رحلتها مع المعرفة، تلك الرحلة التي لم يكن زادها فيها إلا العزيمة، والإصرار، والإرادة؛ فتعلمت القراءة بطريقة Braille التي أصبحت متعتها المفضلة، وانكبت على الكتب تلتهم ما تقرؤه أصابعها، وعن طريق القراءة تعلمت الكتابة، وتمكنت منها بل فاقت في أسلوبها الأدبي أقرانها من المبصرين، ثم ما هي إلا فترة بسيطة حتى سمعت عن فتاة صماء استطاعت تعلُّم الكلام فأصرت على المحاولة، والخضوع للتجرِبة، وبذلت العديد من المحاولات المضنية لتعلم المحادثة، وهي الفتاة الصماء التي لم تسمع الكلام؛ فكانت تضع يديها على حنجرة المعلمة وشفتيها حتى تتبين مخارج الحروف، وبرغم هذه المحاولات المستميتة فإن كلامها لا يفهمه إلا المقربون منها، و كان أول ما نطقته"أنا لم أعد خرساء"واستطاعت أيضاً دراسة الجغرافيا بواسطة خرائط صنعت على أرض الحديقة ودرست علم النبات.
ثم التحقت هيلين بمعهد كمبردج للفتيات، وكانت الآنسة سوليفان ترافقها وتجلس بقربها في الصف لتنقل لها المحاضرات التي كانت تُلقَى، وأمكنها أن تتخرج في الجامعة عام 1904م حاصلة على بكالوريوس علوم في سن الرابعة والعشرين.
ذاعت شهرة هيلين كيلر فراحت تنهال عليها الطلبات لإلقاء المحاضرات، وكتابة المقالات في الصحف والمجلات.
بعد تخرجها من الجامعة عزمت هيلين على تخصيص كل جهودها للعمل من أجل المكفوفين، وشاركت في التعليم، وكتابة الكتب، ومحاولة مساعدة هؤلاء المعاقين قدر الإمكان.