فكثير من الناس لا يستغلون أوقات الشباب والقوة، في التقرُّب إلى الله - عزَّ وجلَّ - بأنواع القربات؛ كالصلاة، والصيام، والحج، والجهاد في سبيل الله، والسعي في مصالح المسلمين.
وكذلك لا يستغلون أوقات الفراغ وما أكثرها في حياة المسلمين، فلا يعمرون أوقاتهم بذكر الله - عزَّ وجلَّ - والدعوة إلى دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد حثَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على المسارعة إلى الطاعات والمسابقة إلى فعل الخيرات فقد روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصحتك قبل سِقَمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلِّك، وحياتك قبل موتك ) ) [9] .
كان الربيع بن خزيم يكتب كلامه من الجمعة إلى الجمعة، ويحاسب نفسه مساء كل يوم سبت!!
وقال المنذر: سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه: ويحكِ! بادري قبل أن يأتيكِ الأمر، ويحكِ! بادري قبل أن يأتيكِ الأمر، حتى كرّر ذلك ستين مرَّة! أسمعه ولا يراني.
وكان الحسن يقول: المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله - عزَّ وجلَّ - رحم الله امرءًا نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم:84] . يعني الأنفاس: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك.
أيها الناس،
إنَّ هناك أناسًا يرتكبون في اليوم الواحد جبالاً من الخطايا، وتلالاً من الذنوب ومع ذلك لا يهتمون لها، ولا يتأسفون عليها، فتراهم يلعبون ويمرحون، ويضحكون ولا يبكون، وكأنهم سوف يخلدون في هذه الدار، وكأنَّ الموت بمعزل عنهم، وكأنَّهم لن يعرضوا على الله - عزَّ وجلَّ - ليس بينهم وبينه حجاب ولا تَرْجُمان، في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدُّون.
قيل لسفيان الثوري: اجلس معنا نتحدَّث؟ فقال: كيف نتحدَّث والنهار يعمل عمله!!