ولم يذكر في هذا الباب أدلة على هذه القاعدة ولا أمثلة لها. وقد ذكر طائفة من العلماء أن جمهور العلماء يرون أن النهي المجرد عن القرائن يقتضي التحريم [91] ، وذكر آخرون أن هذه المسألة يجري فيها خلاف مماثل للخلاف في اقتضاء الأمر للوجوب [92] ، بينما ذكر بعض المالكية أن هناك من يرى دلالة النهي على التحريم ولا يرى دلالة الأمر على الوجوب لأن الاعتناء بدرء المفاسد أكثر من الاعتناء بجلب المصالح [93] .
المبحث الثالث: صرف الأمر والنهي عن ظاهرهما للقرائن:
يرى الإمام البخاري أن القرائن يصرف بها ظاهر الأمر عن الوجوب، والنهي عن التحريم، فهو يقول: (( باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم إلاّ ما تعرف إباحته، وكذلك أمره ) ) [94] .
واستدل على ذلك بما يأتي:
1 -أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من حج قارنًا ولم يسق الهدي بالتمتع بعد الطواف والسعي، فقال: (( أحلوا وأصيبوا من النساء ) ) [95] ، فلم يفهم الصحابة التحريم، ولعل ذلك لأنه أمر بعد خطر وقال جابر: ولم يعزم علينا، لكن أحلّهن لهم [96]
2 -قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( صلوا قبل صلاة المغرب ) )، قال في الثالثة: (( لمن شاء ) ) [97] فلما ورد لفظ لمن شاء فهم أن الأمر ليس للوجوب ومن هنا قال الصحابي: خشية أن يتخذها الناس سنة [98] أي طريقة دائمة.
الباب الثاني: الآراء الأصولية المستنبطة من كلام الإمام البخاري وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: آراؤه المتعلقة بالحكم الشرعي.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عدم التفريق بين الواجب والفرض:
قرر الإمام البخاري أن الزكاة واجبة فقال: (( باب وجوب الزكاة ) ) [99] واستدل على ذلك بحديث: (( أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ) ) [100] . واستدلال البخاري بقوله (افترض) على الوجوب يدل على أنه يرى ترادفهما. كما يرى الإمام البخاري أن قيام الليل ليس واجبًا فقال: (( باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب ) ) [101] .