وهذا مذهب الحنابلة [67] وأكثر المحدثين [68] وبعض الشافعية [69] . واستدل لهذا القول بأنه مقتضى اللغة؛ لأن الصحبة تطلق لغة على المصاحبة اليسيرة كما تطلق على المصاحبة الكثيرة، ومن هنا يقال صحبه ساعة، ولو قال قائل: صحبت فلانًا لم يقبح سؤاله: هل صحبته شهرًا أو يومًا أو لحظة صلى الله عليه وسلم ولو حلف ليصحبن فلانًا برَّ بصحبته ولو زمنًا قليلًا [70] .
والقول الثاني في المسألة: أن الصحابي هو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم متبعًا له ولازمه مدة. وهذا قول الحنفية [71] وبعض الشافعية [72] وبعض المالكية [73] وبعض المحدثين [74] . واستدل لهذا القول بأن مقتضى العرف تخصيص لفظ الصحبة بالملازمة كما يقال أصحاب الكهف لأنهم لازموه [75] . والذي يترجح لديَّ هو القول الثاني لأمور:
الأول: أن الكتب اللغوية تفسر الصحبة بالمعاشرة والملازمة [76] ، قال في القاموس:" (( صحبه كسمعه... عاشره... واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه ) ) [77] ، وفي لسان العرب: (( صاحبه عاشره ) ) [78] ، وقال: (( وكل ما لازم شيئًا فقد استصحبه ) ) [79] ، ولفظ العشرة يشعر بطول الزمن كما في لسان العرب: (( العشرة المخالطة ) )" [80] .
الثاني: ما ورد في الحديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني ) ) [81] مما يظهر معه أن للصحبة معنى مغايرًا لمجرد الرؤية.
المبحث الرابع: العرف.
من الأدلة التي يرى الإمام البخاري اعتبارها (( العرف ) )فهو يقول: (( باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجازة والكيل والوزن ) ) [82] .
وإعمال العرف من الأمور المتفق عليها في الجملة، قال القرافي:"وأما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرخون بذلك فيها" [83] .
واستدل الإمام البخاري على هذه القاعدة بأدلة منها:
1 -قول الله عز وجل: {وَمَن كَان فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] .