ويستعجل بعض الناس فلا يسبغ الوضوء في جميع أعضائه، فربما ترى من يصلى وعقبه لم يصبه الماء؛ بل إن بعضهم ليصب الماء على رجليه صبا دون مسح لهما، أو تفقد لما قد يكون عالقاً بهما من وسخ وقذر، ودون اكتراث لعدد الغسلات التي أمر بها الشارع الحكيم في الوضوء، فيقعون بذلك في وعيد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: (( ويل للأعقاب من النار ) )؛ متفقٌ عليه.
ويخطئ في الفهم - عباد الله - مَن يظن أن معنى إسباغ الوضوء كثرة صب الماء على الأعضاء؛ فترى أحدهم يتوضأ بما يعدل بِرْكة ماء؛ مسرفاً في الماء، مضيعاً له، وقد كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت عنه في"الصحيحين": يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع. والمُدُّ: ملء كفَّي الإنسان المعتدل إذا ملأهما، ومد يده بهما.
ومعنى الإسباغ المأمور به شرعاً: تعميم العضو المغسول بجريان الماء عليه كله. أما كثرة صب الماء فهذا إسراف مذموم نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحذر منه؛ فقد مرّ - صلوات الله وسلامه عليه - بسعد - رضي الله عنه - وهو يتوضأ، فقال: (( ما هذا السرف؟ ) ). قال: أفي الضوء إسراف؟! فقال - صلى الله عليه وسلم: (( نعم ولو كنت على نهر جارٍ ) )؛ رواه أحمد وابن ماجه.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، وقال: (( هذا الوضوء. فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم ) )؛ رواه أحمد والنسائي، وسنده صحيح.
وكم شكا الناس من قلة المياه، وتضجروا من تكاليفها الباهظة في بعض المواسم، وهم الجناة عليها بالإسراف فيها، وعدم المحافظة عليها! حتى إن بعض البيوت والحارات لتجري منها الفيضانات المدمرة، والسيول العارمة، والسماء صحو لم تمطر بقطرة واحدة؛ من كثرة ما يستهلك فيها من المياه، ويضيع، فالله المستعان!