وما اختلفَ في هذه الكتبِ إلا الذين نزلتْ فيهم بعدما قامتْ عليهم الحججُ ووضحَ لهم الأمرُ ورسخَ في عقولهم. وما حملهم على هذا الاختلافِ إلا الحسدُ والطمع، والظلمُ والهوى، والخصومةُ واللجاجة، والعنادُ والتمرُّدُ على الحقّ، والتهالكُ على الدنيا.
وقد هدى الله بلطفهِ وتيسيرهِ المؤمنينَ إلى الحقِّ فيما اختُلِفَ فيه من ذلك، لصفاءِ نفوسِهم، واستعدادِهم لقبولِ الحقّ، فأقاموا على الإخلاصِ للهِ وحده، وعبادتهِ على بيِّنةٍ واستقامة، واعتزلوا الخلاف، وتركوا الأهواءَ والنزوات، والخصومةَ والعناد.
واللهُ يهدي من يشاءُ من خلقهِ إلى الطريقِ المستقيم، ممن يعلمُ فيهم الرغبةَ في اتِّباعِ الهدى وتقبُّلِ الحق. وهو الهادي إلى سواءِ السبيل.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] .
214 -وهل ظننتمْ أيها المسلمونَ أنكم ستنالونَ الجنَّةَ دونَ أن تُبْتَلوا وتُمْتَحنوا، ودون أن يُصيبَكم مثلما أصابَ الذين مِنْ قبلكم، وقد نالتْ منهم الأمراضُ والآلام، والمصائبُ والكوارث، والفقرُ والجهدُ والخوف؛ ليتبيَّنَ بذلك كلِّهِ صبرُكم وإيمانُكم وثباتُكم على الحقّ، الذي ينبغي ألاّ تهزَّهُ الاختبارات، ولا تعصفَ به البلوات. وقد أُزعجوا إزعاجاً شديداًً وزُلزلوا خوفاً من الأعداء، وامتُحنوا امتحاناً عظيماً، حتى صارَ الرسولُ وأتباعهُ المؤمنونَ يدعونَ بالنصرِ وقربِ الفرجِ والمخرجِ من هذا الضِّيقِ الشديد.
وإنَّ نصرَ الله قريبٌ ممن صبرَ على مكابدةِ المشاقّ، وجاهدَ حقَّ الجهاد، فكان أهلاً للنصر، وإن مع العسرِ يُسراً وتوفيقاً، ونصراً وفرَجاً.