فهرس الكتاب

الصفحة 8319 من 19127

فهذا قول المتحكّم، والجائر المتعسّف؛ إذ إنَّ لعلم القراءات أيضًا أسانيدَ مشتملة على حدثنا وأنبأنا كعلم الحديث؛ فهل عدَّهُما عاقل نوعين من جنس واحد؟ أم أنهما عند كل منصف مستقلان؟! لم يظلم خضوع القراءات للنقد من تميزها فتيلاً، ولا نقص من أطرافها كثيرًا ولا قليلاً؛ بل لا يزال عِلْمُها قائمًا بنفسه، وذَريعَتُها المعتبرة عند كافة أهل العلم: أن موضوعها غير موضوع علم الحديث!

وهَذَا الخَلْطُ هو الَّذِي جَرَّ على شأْنِ السّيرة النبوية التقليل، وعلى المقام النبوي الأعلى ما لا يليق، والقدح الخفي بالمجاملة والتلفيق؛ بأن أدخلها في عِداد (فضائل الأعمال) ، التي يتساهل فيها بغض النظر عن ضعيف المرويات، فصار النبي - صلى الله عليه وسلم - موصوفًا بما لا يريد، ومحبوبًا بما لا يرضى.

فهذه شبهة قوية التأثير في ذهن مَن لم يفقه موضوع علم السيرة النبوية؛ الذي هو ذات النبي - صلى الله عليه وسلم - الشريفة، وهيئة خَلقه الأتَمّ الأجمل، وأحوال خُلُقِه العظيم الأكمل على جهة التنويه به، وإحصاء شمائله الفريدة، وخصاله الجمة الحميدة.

فالحديثُ مُصْطَلَح، والسيرة مصطلح، والتفريق بينهما شرط الموضوعية والإنصاف، الذي يتواخاه (علم الاصْطِلاح) ، وتَقْتَضِيه غاية العناية به.

وقد أصابتِ الأثرة السيرة النبوية من هذا الوجه أيضًا؛ فَلَمْ يُعتنَ بِمُصْطلحها الخطير كما اعتُني بِمُصطلحات سائر العلوم، فَسَعَى هذا البَحْثُ في ردِّ اعتبارها بما يملك، والقصد إلى إنصافها بما يستطيع.

دوافع اختيار الموضوع:

ومن ثَمَّ يمكن اختصار الدوافع التي حثتني على اختيار هذا الموضوع، وإفراده دون غيره بالعِناية في صنفين اثنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت