ولكي تجري تلك العنايَةُ على سنَنِ الرشد والبصيرة؛ الكفيل بإخلاص القصد والسريرة، وقطف الثمار المرجوة النافعة؛ طَرَقْتُ البابَ بِمَوْضُوعِ هذه الأطروحة، التي جعلت وسامها (المنهج النقدي لتصنيف السيرة النبوية) ؛ أي أنَّ القضيَّة المُهَيْمِنة على كُلّ مَحَاوِرِها التأكيدُ على ضرورةِ إِخْضَاعِ منهج التصنيف في السيرة النبوية للنقد، وبيان المراد من ذلك، وما كان عليه هذا المنهج قبل إنجاز هذه الأطروحة قديمًا وحديثًا، والدواعي العلمية والموضوعية للزوم تجديده وتحديثه، وما يسمح بالاختراع والإبداع فيه، وما ترتب على إهماله من الأضرار؛ مما جعل الأمر أشبه بحالة استعجال خطيرة، لا يحتمل دفْع عِلَّتها من أجل القضاء على آثارها وأعراضها أدنى انتظار، وذكر الخطوات الأوليَّة والمنهجيَّة الضروريَّة لتحقيق ذلك، وبيان نماذج مِمَّا يُمْكِن أن يَكُونَ سبيلَ عِناية نَقْدِيَّة مُرْضِية، ومِفتاحًا كفِيلاً بِالإعانة على اسْتِئْنافِ مَشَاريعِ بَحْثٍ تمضي على نفس الطريق، ويعول عليها في استكمال سائر المراحل، وضم باقي الوسائل الموصّلة إلى الغاية.
ولا يخفى أنَّ نَقْدَ المرويات أشمَلُ مِنْ أَنْ يرتبط بالحديث النبوي، أو يرهن إعماله بمصطلحه، أو لا يكون لعِلْم الرجال، والجَرْح والتعديل أثر إلا في مصنفاته الخاصة؛ كالصِّحاح، والسنن، والمسانيد.
كلا! ولا يقولنَّ قائل:"إن السيرة النبوية من جنس علم الحديث؛ ففصلُها عنه تحصيل حاصل، ومحض تكلُّف، وما شمل مصطلحه من تلك العلوم يشمله".