وفي ظِلِّ هذه العلاقة بين النحو والإبداع، على المبدِع أن يَستَقِرَّ على ما استقر عليه النحو منَ الثابت فيه، وأن يصنع في المُتغير وهو كثير ما يحلو له ويريد.
إنَّ أوضحَ أدوات الشاعر مع أمر الإيقاع أمر المجاز، وليس المجاز أمرًا متفَلِّتًا بعيدًا عن حقِّ الصواب؛ فالصواب اللُّغَوِيُّ الذي يعرض جملة:"أنا مسافر إلى المنيا"بإمكان الشاعر أن يقول فيه: المنيا مسافِرَة إليَّ، حيث الفارقُ بين الحقيقة والمجاز هنا لم يُحْدِث مُفارَقَة مع الصَّواب؛ ومِن هنا فإن الَّذِي يريد أن يُحدِث المجاز في أمر جملة حقيقية مثل:
"ضَرب محمَّدٌ عليًّا"
ليس بإمكانه أن يستبدل بالفعل ضرب حرف الجر (في) قائلاً:"في محمَّد عليًّا"، لأن الأفعال في قِسْمَةِ اللغة شيءٌ، والحروف شيءٌ آخَرُ، فالمَقُولُ هنا ساقط نحويًّا وإبداعيًّا.
وليس بإمكانه أن يَسْتَبْدِلَ بالفعل ضرب الفعلَ جَلَسَ قائلاً: جَلَسَ محمَّدٌ عليًّا؛ لأنَّ مَنْطِقَ الصواب يقول: إن الفعل اللازم لا يوضع في خانة المُتعدِّي؛ ومن ثَمَّ يكون المعروض ساقطًا نحويًّا وإبداعيًّا.
لكن بإمكانه أن يستبدل بالفعل"ضَرَبَ"الفعل"أَكَلَ"قائلاً: أَكَلَ محمَّد عليًّا، فتصبح هذه الجملة التي استخدمت حقَّ المجاز جملةً شِعْرِيَّةً إبدَاعِيَّةً، لأنَّه لو سأل سائلٌ قائلاً: كيف يأكل محمَّد عليًّا، يكون الجواب وقتها: ألم تسمع قول المولى - عز وجل: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] ، فالمبدِع عليه أن يجري مع النحو في ثوابته فإذا ما حقَّقَها بانت له نقطة فضاء يفعل فيها ما يشاء.
حركة النحو حركة للإبداع