نحن نريد أن يكون النحو جزءًا من إبداع، أن نُرَسِّخَ مَلَكَتَهُ من خلال لُغة الإبداع، فيتحقق للمتعلم هذا الثراء المُرَكَّبُ الجامع بين الصواب والجمال، فالصواب أمره نَفْعِيٌّ، والجمال أمره إمْتَاعِيّ، ولن تتألق عربيتُنا إلا بجماع الأمرين معًا.
ولنلْحَظ بعض تعانُق بين النحو والإبداع:
1 -إِنَّنا حينَ نَقْرَأُ بَيْتَ الْفَرَزْدَق:
وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكًا أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهْ
حيث يقول عنه أبو على الفارِسِيُّ: تقديرُهُ:"وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه"؛ ففَصَلَ بين المبتدأ والخبر اللَّذَيْنِ هما:"أبو أُمِّهِ أَبُوهُ"بكلمة (حَيّ) ، وهو أجنبي منهما، وفصل بين الصفة والموصوف اللَّذَيْنِ هما:"حي يقاربه"بقوله:"أبوه"، وهو أجنبيٌّ منهما من خلال حركة عَبَثِيَّة تابعها النحو؛ لكن العَبَث النَّحْوِيَّ في النهاية قد أسلم إلى حِسٍّ شِعْرِيٍّ فَنِّيٍّ أراد به الفَرَزْدَقُ أن يُثبت غموض علاقات القرابة واختلاطها؛ فأنا بهذا البيت لا أُدْرِكُ الأبَ من الأخ، ولا الأخَ من الأم، وهو ما رامه الفَرَزْدَقُ الذي حرَّك جُملته لغايته، وفي عقله مَقُولَة:"علينا أن نقول وعليكم أن تَتَأَوَّلُوا".
2 -إنني حين أقرأ للأَحْوَص:
سَلاَمُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلاَمُ
فَإِنْ يَكُنِ الزَّوَاجُ أَحَلَّ أَمْرًا فَإِنَّ زَوَاجَهَا مَطَرًا حَرَامُ
فَطَلِّقْهَا فَلَسْتَ لَهَا بِكُفْءٍ وَإِلاَّ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسَامُ