فهرس الكتاب

الصفحة 8135 من 19127

لِمَنْ جِيرَةٌ سِيمُوا النَّوَالَ فَلَمْ يُنْطُوا

الشعر يحوي في إهابه النثر، وهذا واضح من عفوية القول بالشعر:

فقد كادت منظومة الشِّعر في سهولتها تُواكِب حق النثر حين الخطاب؛ فالعربي الذي هجر زوجه؛ لأنها لم تَلِد له الغلام، وجدَها تُرقِّص ابنتها في الخِباء قائلة:

مَا لأَبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينَا يَظَلُّ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَلِينَا

غَضْبَانَ أَلاَّ نَلِدَ الْبَنِينَا تَاللَّهِ مَا ذَلِكَ فِي أَيْدِينَا

وَإِنَّمَا نَأْخُذُ مَا أُعْطِينَا وَنَحْنُ كَالزَّرْعِ لِزَارِعِينَا

نُنْبِتُ مَا قَدْ زَرَعُوهُ فِينَا

يسمع هذه الأبياتِ العاديَّةَ في ألفاظها ومعانيها، فيقبل على زوجه وابنته قائلاً:

ظَلَمْتُكُمَا وَرَبِّ الكَعْبَة

فلننْظُرْ إلى جُملة النثر التي لم تبتعد عن قول الشِّعر: ظَلَمْتُكما / ورب الكعْ / بتى / مفاعلتن. فبَيْنَ الشِّعر وإيقاع اللُّغة مقاربةٌ وتَلاقٍ، فالذي يحتضن الشِّعر يحتضن معه كل شيء.

النحاة والإيقاع

لم تقف مَلَكة النَّحْوِ عند نَسْج رؤاها من خلال جُمْلة الشعر، ولم تقف عند وَصْف لغة الشعر والتأويل لِصِحَّة هذه اللغة، فقد بان أن الدَّرْس الإيقاعيَّ وهو من خصوص لغة الشعر، قام بأمره اللغويون النُّحاة من مثل:

الخليل / الأَخْفَش / الجَوْهَرِيّ / ابن جِنِّي / الزَّمَخْشَرِيّ / التَّبْرِيزِيّ / الدَّمَامِينِيّ...

فالشِّعر بكل أركانه: الوزن، واللفظ، والمعنى، والقافية، يعيش في حِمى منظومة النحو، وأنا لم أستغربْ إطلاقًا تمسُّك الدرس النَّحْوِيِّ بقضية الإيقاع، وجعلها من مَلَكَتِهِ وزنًا وقافية.

العلاقة بين النحو والإبداع

هُناك عَلاقة تآزُر بين الصواب والجمال، وقد يكون النظام النَّحْوِيُّ باحثًا في أمره الظاهر عن الصواب، وإن كان الخَفِيُّ هو الصوابَ المسلِّمَ إلى إبهارٍ وجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت