فهرس الكتاب

الصفحة 8132 من 19127

وماذا بعد التأويل الذي أحدث المُصالحة بين القاعدة والشِّعر؟ كيف كان خط النحو لحركة الشعر؟ أنا أظن أن منطقة الجواز في النحو من هَمِّهَا تَرْك السبيل حُرًّا للغة الشِّعر.

منطقة الجواز في النحو (بِنْيَةً وتَرْكِيبًا) :

لم يَعُدِ النظام النَّحْوِيُّ جَبْرِيًّا؛ ففيه من الأحكام الجائزة ما يفوق حكم الوجوب، ومعنى الجواز أن الشاعر بين أمرين أحدهما يفارق الآخر؛ ومن ثَم يكون مجال الاختيار والانتقاء حَسَبَ السِّياق ورؤية الشاعر هو الأساس.

فالفرع في ثوابت التركيب يتحرك في لُغة الشِّعر أكثرَ من الأصل، والقاعدة تَهِيمُ بالفرع كما هامت بالأصل.

إن من شَرَف العربية الحذفَ حين يكون الأصل الذِّكْرَ، ومن شَرَفها التقديم حين يكون التأخير، وتَتْرُكُ سبيلاً واسعًا للتصرُّف في البِنْيَة من أجل لغة الشِّعر، ورغم أن هامتها وعِشْقها في الإعراب فإنها تتحاور مُجَوِّزَةً الجر والنصب، والرفع والنصب في الموقع النَّصِّيِّ الواحد.

وعلى مَن يريد استنطاق إبداع النحو وكونه نظامًا يتألق بلغة الشِّعر، أن يقرأ ما يَجري لدى ابن جِنِّي فيما كتبه تحت عنوان باب في شجاعة العربية"الخصائص"ج3/360.

حيث يقول:

اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة، والتقديم والتأخير، والحمل على المعنى والتحريف.

ففي حديث نَحْوِيٍّ له عن الحذف يقول جـ 3/ 367:

فأما قوله:

مَا لَكَ عِنْدِي غَيْرُ سَهْمٍ وَحَجَرْ

وَغَيْرُ كَبْدَاءَ شَدِيدَةِ الْوَتَرْ

جَادَتْ بِكَفَّيْ كَانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ

أي بكفي رجل أو إنسان كان مِن أرْمَى البشر، فقد رُوِيَ غير هذه الرواية"بكفي كان مَن أرْمَى البشر"بفتح ميم مَن؛ أي بكفي من هو أرمى البشر، وكان على هذا زائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت