فهرس الكتاب

الصفحة 8131 من 19127

هكذا نجد التأويل في أبرز مظاهره سبيلاً لإحداث الموائمة بين سُلوك الشاعر ونظام النحو، فالزَّجَّاجِي بعيدًا عن زمان عبدالله بن أبي إسحاق في حواره عن جواز الابتداء بالنكرة دون مُسَوِّغ، أجاز في قول الفَرَزْدَقِ؛ أن تُعْرَبَ"مُجَلَّف": مبتدأً لخَبَر محذوفٍ، والتقدير: أو مُجَلَّفٌ كذلك، ("الجُمَل"ص 204) .

واسْتَحْسن ابن عُصفور أن يكون:"مُجَلَّفُ"فاعلاً لفعل محذوف، والتقدير: أو بقي مُجَلَّفُ.

وفي واقع الأمر أنَّ الفَرَزْدَقَ خَطَّ الطريق الذي انصاع فيه النحاة لأمر الشعر؛ فقد أَوَّلُوا واختلفوا في إعراب مُجَلَّف على هذه الرواية (أي التي نصبت مُسْحَتًا) على ستة أقوال؛ حيث قالوا إنها:

1 -مبتدأ خَبَره محذوف: مجلف كذلك، من هؤلاء (الفَرَّاءُ / الزَّجَّاجِيُّ / ابن خَرُوف) .

2 -فاعل لفعل محذوف: أو بقى مجلف، (ابن جِنِّي"الخصائص"1 / 99) .

3 -خبر لمبتدأ محذوف: الباقي مجلف/ هو مجلف، (ثَعْلَب) .

4 -معطوف على الضمير في مُسْحَتًا: الكِسَائِيُّ، حكاه هشام عن معاوية، ("إصلاح الخلل"ص 262) .

5 -مجلف مصدر ميمي على وزن مُفَعَّل عطف على المصدر:"عَضُّ": أي: وَعَضّ أو تجليف، وإليه ذهب الفارسي"خِزانه الأدب"5/174.

6 -معطوف على مُسْحَت حَمْلاً على المعنَى، لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف؛ الفَارِقِيّ في شرح أبيات مشكلة الإعراب ص 295.

هكذا ضاعتْ مجابَهةُ عبدالله بن أبي إسحاق في ظِلِّ سَطْوَةِ الفَرَزْدَقِ، الذي أمر فاستجاب له النُّحَاةُ حُبًّا في لغة الشِّعر؛ فقول الشاعر هو الصواب، وعلى النظام أن يرعى ذلك مستخدِمًا أهمَّ آلاته في المصالحة والاتِّساق وهي التأويل.

حين استقر النظام - تُرِكَ للغة الشعر أن تَمْرَحَ وتُبْدِعَ وتتألق معتمِدَةً على فَرْضِيَّاتِهِ وأُسُسِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت